تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/01/2010
شعرية القص .. وضرورات الذات ، جمال فايز إنموذجاً ..
بقلم: قيس مجيد المولى
على مساحة الموجودات التي تبعث بدلالاتها المكانية والزمانية وفق ما
يهيئا لمعاينة الحدث وعرضه بشكل مترابط تحقيقا لإستكمال الوحدة العضوية في
مجموعة المشاهد المنسقة يشتغل القاص جمال فائزفي (الرحيل والميلاد ) لتوظيف
اللغة الشعرية ضمن إختياراته لوقفات معينه في سرده القصصي ،ولاشك أنه قد
إعتمد على مساحات توزيعية متباينة تمهيدا لإيجاد علاقة ما بين غير
المتشابهات والعمل هنا يتطلب وجود آصرة للوصول الى المعنى المباشر بمعنى
غير مباشرة وقد تكون محاولة من قبل القاص لإحاطة المتلقي بالمشاهد الصورية
– النفسية ومن الجهات الأربع وهذا الغرض يعتمد على تقنية الخطاب التخيلي
الوصفي والذي يمتزج به العيني والذهني الآني ويبدو لي أن هناك جهدا ما
لتحقيق هذا المآرب خاصة أن القاص قد إستخدم لغة الحدث التي تشير اليها
حاجة كل فكرة ما لنوع اللغة المستخدمة ،إن ذلك يعني تحقيق الإنفراج مابين
قصة وأخرى بحيث لم تعد القصة الأولى تقرن بالثانية ولا الثانية بالثالثة
وهكذا في بقية قصص المجموعة ليتهيئا شكل من أشكال العزل والإستفراد ويأخذ
المشهد الشعري شكله المريح والمغري مابين إنسيابية التواتر السردي المقتضب
، :
ذات مساء رطب رأيته أول مره ...
..
تسير الشاحنات بعضها وراء بعض
تصغر
تختفي
..
في قرص الشمس الأحمر القاني
مضت سنوات ..
والسماء حبلى بالغيوم
لم يسقط مطر
نظرت ثانية إليه ، عدت لاأرى منه إلا رأسه
يلعقه موج البحر
ويبتلعه إليم ،
ألاحظ هنا في (ماتبقى من شظايا المحار ) أن النمط القصي نمطا مركباً
فالعملية التخيلية هنا ليست مستقلة عن المحتوى وبالتالي عن الغرض الأساس
لبناء الفكرة ولا الضوء الشعري المسلط على المحتوى قد أخذ إستقلاليته
ليتحول إلى عمل شعري مستقل لذلك كانت الموازنة مابين الطرفين تأخذ مدياتها
الفنية دون أن يكون لكل منهما تأثيره الواسع على الأخر، فهناك لذة ما في
إنسيابية القصد الشعري الذي تقوم عليه القفزات في مناخات القص :
"تتبعته بنظراتي .. وهو يدخل في جوفها ..سمعت بعدها .. حشرجة موال..
يتخلله صدى طرقه على جدار سفينته ،،
إن اللغة تتكلم بإرادتها وبعاطفتها حيث تمت تغذيتها من مستويات مختلفة
من الأفكار أراد القاص أن تكون محركا ما لشخوصه مع ضمان حريتهم المطلقة في
التعبير ولذلك يظهر الرمز أحيانا بعيدا عن التعقيد والإطار التاريخي لأن
مرجعيات القص تتم عبر الضرورات الإجتماعية وإرهاصات البيئة ومستويات حادة
من التدفق النفسي ،
وقد سعى جمال فايز في تحويل الترقب والخوف الى شكل من أشكال الحزن
المدعوم بالتأمل وأن لاتكون له نهايات محددة وقد ساعد ذلك قبول القاص
للإغراء بالمضي في إنتقالاته الشعرية الجميلة كعامل مكمل أو مساعد لإثارة
مخيلة المتلقي :
مياه البحر .. مغبرة أعماقه ..مشوهة معالمة ..
لاتعرف إلى أين تتجه أمواجه ..
وما إن كانت
في حالة مد أو جزر
تعكس ضرورات الذات والحرية بعدا أخر لتقديم شكل مريح من التراجيديا ،
وتراجيديا القاص جمال فايز هنا تتم على أساس تواتر الصراع الداخلي للإنسان
وشعـوره بأنه غير مذنب لأن لاجريمة قد قام بإرتكابها ( نظرية شلنج أو مفهوم
شيلر ) فيمتزج التصور الديني بالتصور الفني الخالص وربما يأتي ذلك وفق
قاعدة (كروتشة ) التي ميز بها اللاهوتي والفني ،وعلى ذلك الأساس يقوم القاص
بتقديم مفاهيم ( الخطيئة – الرجاء – السلطة- الوعظ – الإيمان ) بشكل يُحملُ
القوى الغيبية أو بالأحرى القوى المسيطرة على مصير الإنسان مسؤولية هذا
الصراع اللامجدي للحصول على السعادة الأرضية أو مفتاحا واحدا من مفاتيح
الجنان ، :
" إنقضى نصف قرن .. ونحن نرفع أيدينا .. دخلنا ألفية جديدة ونحن نركع
مستغيثين .. فلا الوباء إستطعنا إخراجه من أفئدتنا .. ولا السلطان نفذ وعده
لنا .."
يقوم القاص جمال فايز وضمن مفهوم نظرية الأدب بالتمييز بين نوعين من
الكتابة تلك التي تحقق غايات عملية وبين تلك التي تُبعث من تأملٍ في الأفكا
،والنجاح هنا يرتكز على القاعدة الأدبية التي تقول (هي أن لديك شئ تقوله
)وليس بالضرورة أن يكون هذا الشئ مرتبطا بالغموض أو التفكيك كوسائل للإغراء
لذلك سعى الى عملية الإنسياب المعقول ضمن صوره الشعرية ونقلها بخطوات آمنه
مابين حواراته الممتلئة بالترقب والخوف لإحالة الحقائق إلى نوع من أنواع
اللذة بعد أن خلص الفكرة والأخرى من طغيان التشابه الحسي المتبادل بينهما
،وكانت تلك إحدى مفاهيم هيجل الأساسية
والتي بنيت على أساس إعادة صياغة للوحدة الجدلية لنجدهنا أي فن القص لدى
القاص أن التاريخ الشخصي قد طغى على الأحداث أي أن حركة النص عبرت عن
التاريخ الباطني للأشياء لذلك عوّم الزمن وأختفت دالاته الرقمية والرمزية
فوجود حركة ما لايعني بالضرورة إيجاد تنقلات ميكانيكية وإنما التعبير عن
مستويات ما من الشعور المشترك الذي تداخلت فيه الحوارات بين طرفين منسجمين
أو نقيضين أو طرف واحد تشضى أخر منه :
وهنت صحته ،،
وزادها سوءاً دخول الشتاء
عاد لايملك إتقاء شر البرد .. إلا أن يتكور على نفسه .. يتدثر بقطعة كرتون
..مهترئة ..وكلما زاد البرد تكور أكثر حتى عاد لايُرى منه
إلا يده المرتعشة ..
أن الكثير من الدلالات المعرفية أو الميتافيزيقية تبرز هنا أو هناك عبر
أصوات خاصة لها هويتها النبرية التي تحافظ بها على وحدة كيانها وكأن هذه
الأصوات لاتريد أن تتشابه مع أحد في مداها المعجز كما أن الكثير من تلك
الدلالات المعرفية أو الميتافيزقية تبرز أيضا بما تخلفه الألوان المرئية
وغير المرئية من تأثيرات لدى المتلقي حين يتلازم البصري والصوتي مع تحفظ
ملموس أن لاتطغى العاطفة وتترك بمجالها غير المحدود وتلك التقنية تعني ضبط
المرسل من جهة ومزاوجة القدرات الإستكشافية مع فكرة القص وهذه المزاوجة قد
خلقت متحسسات جديده لبناء جديد اثناء خلق المنتج الذي أجاد القاص في زرع
نوبات هنا ونوبات هناك لتأجيج الواقع الضمني بإستجابات متباعدة كي تكون
مسافة القصد قابلة للمزيد من الإستقراء والتصور غير المحدود بقوة جمع
ترابطية ومنها يبدأ التشكيل والكشف الشعري في إيقاعات تناهي عمق الحدث
وسعته :
ذات مساء ..أسر فؤاده عبير أخاذ .. قام من سريره يفتح النافذة.. رأى وهجا
ينبعث من أرضه.. يخترق جدار غرفته .. يتغلغل في أعماقه .. يحتويه .. خرج
هائما الى حيث الوهج ..تسمّر غير مصدق لما رأى في أرضه زهرة فارعة الطول،
بيضاء حورية. شهق قلبه.. تنحنح يداري سوء فعلته ،،، في الأيام التالية ظل
يتردد من حين لأخر الى أرضه ، وكلما مضت الأيام ،، إزداد مكوثه بجانب
الزهرة ..
إن معمارية البناء القصي تقوم لدى القاص جمال فايز على تهيئة موجوداته
من خلال المسح الشامل للذاكرة واستعراض محفزاتها وما يمكن أن تقدمه له من
معين للبدء بالكتابة وبالتأكيد فأن الخاص الذي شكل العام منبها له سيحضي
بالأولوية الأكثر قبولا في توافق القصي السردي والشعري التخيلي لتسيده
الظواهر البارزة ذات التأثير في مجرى تكوين المنتج يقابل ذلك إعطاء مرونة
ما في أي شكل هندسي من أجل التحرك بإتجاهات أنية تقتضيها ذلك الخلط من
المعاني والمفاهيم على أن يكون الحوار مقتضبا ولكن مستفيضا بقدرته على ما
يمنحه للمتلقي من ضنون
هنا لن تكون أي الأشياء بالخفية أو الغائبة عن نزوات القاص مادام
الإنسجام واضحا بين كل الحواس التي تحركت في عمق ذلك البناء والذي يمتع
العين بدون زخرفة وطلاء ،،