جمال فايز في قصص الرحيل و الميلاد
يكتب كل ما علق بشطآن ذاكرته من صدى نوارس تاهت في حنينها
بقلم: خالد زغريت
يصير القص فناً درامياً حياً عندما لا يكون حكاية سواء كانت ذات عبرة وعظية أو
نصاً فنياً ،إن القص إعادة بناء حياة عالق في الذاكرة بحرية وصلابة ،فالقاص
ينسج حكايته الداخلية عبر ما يرويه ويصير السرد عنده خريطة لا لونية لتعاريج
روحه ومساري أحلامه إنها جسد رغباته المسكوت عنها ،تحضر ذات المؤلف في قصته
حضور الروح في الجسد وهي ليست فناً محايداً إنها بكل تأكيد رغبته في إعادة بناء
العالم وفق مزاجه وأحلامه و رؤيته ، وفق هذا التوجه يكتب جمال فايز قصصه (
الرحيل و الميلاد) ، يكتبها بكل ما علق بشطآن ذاكرته من أصداف الخليج وأملامحه
وصدى نوارسه التي تبعثرت في جغرافيا حنينها ،إنه يرغب أن يكتب البحر على ورقة
بيضاء ، لكنه يباغت فعلاً بأنه نقل موج البحر إلى الكلام ،فيوجه شراعه تارة
ويمزقه تارة أخرى ، يقذفه على رمل الشاطئ مرة فيجد نفسه صدف فارغاً يصفر الريح
فيه إيقاع ماضيه ومرة أخرى يبتلعه في لججه فستنير في ظلمات اليم ببريق اللؤلؤ
صديق ذاكرته ، لذلك تتوزع قصصه على شفة حلم مالح مرة وعلى ألوان صدف الواقع
مرات ، فكيف للكاتب أن يجابه البحر في حبر الكلمة ، فهل ينشأ البحر على ورقه
ويخاف موجه فيهرب كطفل مذعور أم يتسلى بإحصاء تجاعيد الموج وخلع ألوان الأصداف
على حلمه فيفرح به ، إنها حال المبدع مع مادته القصصية التي تثقب ذاكرة لغته
لتملأها بذاكرة الواقع و الحلم .
لا شك في أن كلّ إبداع كتابيّ ينطوي على مؤسسات فكريّة ، تكوّن بمجموعها
المرتكزات الفلسفيّة التي تصدر عنها الهويّة المؤلف وفق توجّهه الكتابيّ ،
وتبرز في هذا السياق مدرسة الواقعيّة مرتكزاً فلسفيّاً رئيساً في الذاكرة
الموضوعيّة للغة القصّ عند جمال فايز في مجموعنه الرحيل و الميلاد .حيث تنتمي
هذه القصص دون التواء إلى الواقعيّة الجديدة التي يمنحها بمواقفه بعداً آخر
يمكن وصفه بأنّه نوع مميّز من الواقعيّة بلا ضفاف ، حسب تعبير روجيه غارودي
فالسرد في قصّة جمال فايز ليست تصويراً مجرداً وحقيقيّاً للواقع، كما هي
الواقعيّة النقديّة، كما أنّها ليست انعكاس الواقع المأخوذ في أثناء تطوّره
الثوريّ ، كما هي الواقعيّة الاشتراكيّة، إنّما تمثّل أيضاً نظاماً
مفتوحاً.لذلك تمتاز هذه الواقعيّة بحيوية خروجها في القصّة من مقاييسها
الواقعيّة إلى مستوى التأثير السحري أو الميثيولوجي البيئي مما يبقيها حيويّة
بشكل يلبّي وظائفه الجماليّة . إن استحضار الموروث البيئي في هذه الحالة يرتقي
بالسرد إلى فضاء أسطوري ، كما هو الحال في قصة( الصقر ) :
في الصباح ، فوجئ الجميع بالصقر أمامهم ، بلا ريش ، ولم يعرف أحد ، من وكيف و
متى تم نتف ريشه ؟ كـان يقال في صباه ، إن حلق في السماء ، استطعت النظر إلى
الشمس ظهراً ، دون أن تضطر إلى أن تضع راحة يدك على عينيك و لا أن تغمض نصف
جفنك و إن فرد جناحيه ، امتد ظلهما من المحيط إلى الخليج )
تتأسس هذه القصة على عناصر واقعية هي الصقر و البيئة التي يحضر عبرها ، لكن
القاص ينتقل عبر السر إلى أفق سحري يمس الأسطورة ،وهي أسطورة وليدة مخيلة السرد
، بهذه الطريقة يمنح جمال فايز قصته السائرة على سكّة الواقعيّة أفقها
الإبداعي، فيصب ذاته في قاع لغته، فهو عنيد في الحفر في مدارج حركة الواقع
الاجتماعيّ، و متح الصور اليومية للمجتمع مقدماً خصوصياته ، مبحراً في تحليل
شخصياتهم في جلّ قصصه :
( التحـق بالعمل في شركة بترول ، وبعد رفضه للحديث مع أمه في شأنه لسنين عديدة
، اقتنع و استجاب لنصائح الأصدقاء و الخلان ، اعترف بعد الخمسينات ، بأن حياته
ما كانت منطقية ، و أن البيوت أرواحها النساء في صباح يوم زواجه ، جاءت النسوة
، تبارك الصباحية لعروسه ، فاضطر أن يخرج من الصباح الباكر قبل مجيئهن ، وتناول
إفطاره في مطعم الشركة . ولأنه اعتاد الصحو باكراً و اعتادت زوجته الاستيقاظ
متأخرة ، مثل بقية فتيات المدينة، فقد ظل يتناول طعامه من كافتيريا بترول
الشركة ) قصة أرواح البيوت .
تفرد ذاكرة لغة القصّ الواقعيّة في قصص جمال فايز مساحتها على الحياة الشعبيّة
الممهورة بخصوصية الطبيعة البشرية ، وتشحذ لغتها الخاصّة لتتغلغل في ذاكرة
الإنسان، فتصوغ وعيه بالحياة و الواقع بجماله و قبحه بفرحه و حزنه ،فتمتلىء
ذاكرة لغة الواقع بحفرها الموجعة الملوءة بالدموع إحياناً و أحياناً أخرى تكتظ
بالورود ، مّما يحرض شعور الكاتب لتحسّس مفاصل صورة الوجع وإحيائها في اللغة،
فتسرد اللغة ميراثها في الفجيعة والألم الذي اكتنزت به لتعتّقها في قاعه
المظلم:
( أفاق على يد خشنة ، حانية تربت على كتفه ، بينما ظل شاخصاً ببصره إلى المكان
حيث سجي فيه جثمان صاحبه الذي لم يبق من أثره إلا سنام بارز من الأرض وصخرتان
وضعت إحداهما عند رأسه ، والأخرى عند قدميه ، ردد بصوت متحشرج على معزيه ومن
جاء بعده أجرنا وأجرك ) قصة الرحيل و الميلاد .
هكذا تنفتح ذاكرة لغة القصّ الواقعيّة عن مخزونها الثريّ، بمأساويّته الطافحة
على مساري حياة المجتمع الذي راح يخسر أصالته الإنسانية عبر صورة عائلة تفقد
عميدها فلا يبالى أبناؤه بموته و لانجد إلا صديقه الذي يسكب دموعه أسفه الشائكة
، فتشحن الذاكرة لغتها بطاقة دلاليّة ساخنة تموج بإشراقاتها المعبّرة عن ثورة
الأحاسيس ،واضطرام المشاعر، فتنتقل فورتها حارّة واخزة. وهكذا تتحوّل لغة
الواقع ذاتيّاً عبر تحريض ذاكرتها، لتتخطّى جمودها الوصفي نحو يقظة حياتيّة /
شعوريّة /، فتمتدّ لغة الواقع إليها لتتّصل بأفق تحويلي هو أساس فلسفيّ
للواقعيّة الجديدة. فمأثرة القاص هي أنه فنان الصورة الداخليّة للنفس البشرية ،
فتحافظ لغة القصّ الواقعيّة في ذاكرتها على صورة حيّة للواقع الذي يحرفه القاص
عن تسجيليّته الصوريّة من خلال فتحه على ثرائه المتنوّع بتنوّع البشر، الذي
يوجّه قصّته صوب تخوم الإبداع. تساهم في ذلك ذاكرة اللغة المنطوية على حساسيّة
تخيّليّة، تدفع الواقع إلى اختراق ذاته نحو التنوّع الخصب في القصّة.
صحيح أنّ ذاكرة لغة الواقع في قصّة جمال فايز قد حافظت على الملامح الشعبيّة
للمجتمع، لكنها دفعته إلى التطور وفق فضاء من السيكولوجية الشعبيّة العربيّة،
التي تسبر طيات التفكير العميق والخفيّ لأبطاله مما أوصله إلى حالة تخيّل من
ذات الواقع، تحلّق به إلى فضاء روح الفن ، فالكاتب لا يقف بفضل ذاكرة لغة القص
عند حدود الوصف وبناء الشعور بالصورة المسجلة بل تفجر دلالاتها العميقة ، وكون
اللغة تمتح من ذاكرتها الأمينة فإنّها بمقدار ما تمتح الواقع تمتح التحرير للفن
والصورة والمادة، فهي تجير القصة من تسلط القاص على أبطاله وتطفله على مصائرهم
وصناعتهم وفق هواه .
إن سرد جمال فايز المتحرك بذاكرة واقعية/فنية/ ثقافية، يصادم الواقع الموضوعي
المأزوم والمتدني، بقوة التماسك الفني للقصة، وحيوية صعوده،وتغلبه بما يتملّك
من روح جمالية على المستهلك الحياتي، حيث يدفع الواقع القصصي إلى مقاومة
التصنيع الاستهلاكي ، و إبداع روحه التي تلتقي مع رقيّ الفن وانتظامه الجمالي
الموحي بمعادل اجتماعي منتظم ، يدفعه إلى اللقاء به.وهكذا تتضاعف نتاجات مدارات
الذاكرة الواقعية للغة القصّة عند جمال فايز ، وتنكشف بقوة فنّها عن باطنها
الفلسفي الموجّه للأدب نحو الاستواء في سياق مذهب فني محدد. فكانت هذه اللغة
ذات منبت بيئي محمّلة بحاسّة خاصّة للذاكرة و الحنين المر؛و هما روح شخصيات
قصصه، ومادتها التي ترجع إلى منبت شعبي ، كلّ ذلك مكّن الكاتب من أن يحقّق
الانسجام بين روح الإبداع الهائمة بالتحليق، ومادته المتغلغلة في نسيجه القاعيّ
من خلال صياغة تكنيك وفرته له حيوية ذاكرة لغة القصّ للانتقال الحلم إلى السرد
الذي يمزج بين الحياة الداخلية لأبطال الواقع، وحياتها الخارجية . مّما جعله
يتّصل عبر لغة الواقع بمعنى إبداعيّ للقص يفيض بالحيوية والإشراق الذاتي
للإبداع إن الذاكرة اللغويّة الذاتية للقصّ عند جمال فايز تضمر في بنائها
العميق صراعاً دراميّاً بين التعلق المزاجيّ الذاتيّ باللغة ، والتعالق مع
الموقف. وهذا يعني امتداد التجلي اللغويّ في السرد القصصّي إلى بناء تركيبيّ
يطمح إلى توازن بين النزعة البركانيّة للذات الضاربة في آفاق تتشظى، وبين ضابط
التقنين الفنيّ الذي يلتبس إرادة الأديب، حاملا سمة صنعية.
هكذا يكشف لنا تشكيل النسيج اللغويّ الذاتيّ عند جمال فايز عن التداخل
العميق في الذاكرة الذاتيّة للغة القصّ، بين خصوصيّة الذات وخصوصيّة الموقف
اللذين يتّحدان لتأسيس أفق شعريّ لهذه الذاكرة.بحيث يكون هذا الشعريّ وظيفة
درامية كونه منبثق من التجربة الواقعية وآفاقها ،إذ إن سلوك اللغة يحمل السمات
الدرامية للفكرة التي تأخذ مداها في ذاكرة لغة القصّ، فترفد السرد عبر تجلّيها
السياقيّ فيه بمسارات الخصوصيّة ، وعناصر بنيتها، كما تؤمّم بُعدَ أبعادِ
خصوصيّة فنّ القصّ وتحرز الخصوصيّة بشكلها التأسيسيّ كونها مدماكاً رئيساً
وأولياًّ في الآن معاً