تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/01/2010
عنـدما
يبتسـم الحـزن
جالسة على سريرها الأبيض .. تتأمل الكوب المملوء ماءً .. الموضوع فيه ثلاثة مكعبات
ثلجية .. الموضوع أمامها على رف السرير .. تتأمله .. تنظر فيه يمنة ويسرةً .. يخيل
إليها .. تبتسم .. تقترب .. تحضنه براحة يدها .. تضعه على صدرها .. تربت عليه ..
تحدثه:
-
جسدك بارد .. عليك أن تتلحف بصوف ، لا عليك .. أنا أجيء لك به
تعيـد الكوب برفق إلى مكانه .. تبحث في المكان .. المروحة التي تتوسط الغرفة ..
النافذة التي تظهر فيها أطراف شجـرة .. التلفزيون حيث رسوم متحركة .. لكنها لا تجد
عند أي منها غطاء صوف ، تنظر إلى الكوب آسفة .. يتراءى أمامها .. ترتسم على محياها
علامات العتب ، تسأله:
-
أين أنت الآن ؟
-
في الطريق إليك يا أمي.
-
لكنك تأخرت على غير العادة ؟!
-
الضباب كثيف يا أمي . .
وصوت ارتطام عنيف فصـراخ فبكاء فصمت ، تمسك بالكوب .. تتشبث به .. تصرخ .. "لا ..
لا لا .. لا تبعد .. لا تسكت .. تعال .."
تدخل ممرضة .. تتبعها ممرضة .. تحاولان الإمساك بها .. تهدئتها ، وسيدة أخرى جالسة
على سريرها ، تنظر لهن ، تضحـك وهي تسأل:
-
ما أجى(1)
وليدي(2)
للحين ؟
ذهبت إليها إحدى الممرضتين:
-
حدثته ، قال إنه سيأتي إليك قريبا.
-
" وتمسح الدمع من على خديها" لكن ، طال غيابه.
-
هذا فقط لانشغاله بالعمل يا أمي ...
-
أووه .. منذ العيد الكبير وأنت تعيدين نفس هذا الكلام ، اسمعي "وأشارت إلى الممرضة
بأن تجلس لكنها اعتذرت ، أمسكت يديها ترجوها أن تستجـيب لطلبها ، وافقت ، جلست
بمحاذاتها ، ابتسمت تشكرها ، أكملت" يوم كنتُ صبية ، قبل أن آخذ والده يرحمه الله
.. يه ؟ وجع ، قولي يرحمه الله.
-
يرحمه الله يا أمي.
-
إيه .. الحين تعجبيني ، اسمعي .. أنا يـوم كنت صغيرة .. كنتُ جميلة ، ودلوعة ..
وعلى فكرة ، وأنا آخر العنقود ، استيقظ في الوقت الذي أريد ، وأنام في الوقت الذي
أبغي(3)
، لكن ، أبداً ، ما كنت لأتـأخر إن سمعت صوت والدي وهو يدخل البيت ، كنا ، يعني أنا
وإخواني ، نسرع لنقبل يديه ورأسه ، نجلس عن يمينه ويساره ، نهمز رجله ، ونعطيه
التمر ، ونصب له القهوة ، " وضحكت" حتى يوم دخلته البحر ، كان آخر شيء يحبه أكل
التمر ، وشرب القهوة ، "وباكية" وما كـنا نتركه ، دايما
(4)
نظل إلى جانبه ، حتى بعد أن استرد الله أمانته ، ظل إخوتي يقومون بزيارته "وضحكت
مجدداً " لكـنه الآن ، ما عاد يأكل التمر ، ولا يشرب القهوة ، بس هاه
(5)
.. " نظرت للحاضرات في الغرفة ، أشارت إليها أن تقترب ، همست لها" تحملي تقولين
لأحد ، بعدين يزعل ، وحنا ما نحب الوالد يزعل منا ....
-
"وضاحكة تمسح دموعها" .. لكن تدرين للحين ما جاني(8)
منهم واحد ، أنتي تعتقدين ليش ؟ .. حتى ولا حد كلمني بالتلفون .. بس(9)
، أنا أعرف ليش .. "وأكملت تهمس" .. يمكن لأن ما عندي تمر ، "وضحكت بصوت عال تردد
كلمـتها "مب(10)
مني مب مني ، مب مني .. النخـلة ماتت ....
-
اهدئي يا أمي ، اهدئي ، سيأتون.
-
صج
(11) بيجون (12)
.. عيل يالله ، أنتي ليش جالسة ، يالله بسرعة ، قومي ، اتصلي فيهم
-
حاضر ، حاضر.
وقامت من على سريرها ، لاحـظتْ زميلتها الممرضة الأخرى تساعـد سيدة على الوقوف ،
اتجهت إلى ناحية الكوب الذي تناثر على الأرض ، همت إلى جمع الزجـاج ، سمعت من
تنهرها ، تدفعها ، تجنبت لحظتها السقوط على الارض ، وقفت تنظر خلفها ، رأتها تجثم
على الأرض تردد:
-
اتركي وليدي(13).
وبدأت بجمع شظايا الكوب ، تجمعها الواحدة تلو الأخرى ، غير مبالية لجرح الشظايا
يديها ، ولا كثرة الدمع المنحدر على خديها ، تجمعها وتتفحص أرضية المكان ، بحثاً عن
بقايا ، وبصوت مبحوح مكتوم موجوع بدأت تغني "هلولو هلولو .. يا بعـد جبدي هلولو ..
يرقد أوليدي وينام .. في حفظ اللي ما ينام .. في حفظ موسى وعيسى والنبي .. عليه
الصلاة والسلام ....... " (14)
وظلت تغني ، وهي تمسح الدمع بأصابعها ، فيمتزج مع دمها ، المنبعث من أناملها ، مع
ما تجمعه من شظايا الكوب ، تضعه في راحة يدها ، وتضمه إلى
صدرها.
الدوحة - يونيو 2006
=========
الهوامش:
-(
1 ) ما اجى: لم يأتِ
-(
2 ) وليـدي: ابني
-(
3 ) أبـغـي: أريد
-(
4 ) دايمــا: دائما
-(
5 ) هــاه : تقال للاستدراك أو التنبيه لشيء ، أو الحذر منه