تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
04/01/2010
جمال فايز ينطلق من البيئة القطرية
إلى شمول الروح الإنسانية
بقلم: عزة رشاد
لا
يستطيع قارىء المجموعة القصصية (الرحيل والميلاد) للقاص والأديب المتميز جمال فايز
إلا أن يظهر اعجابه بأشياء كثيرة يزخر بها إبداعه سواء في الشكل أو المضمون.
فبالنسبة للشكل فإن ما يميزه هو هذا البناء الفني للنص الذي اختاره الكاتب لكل قصة
كي يحقق مضامين معينة لا يصلح لها ولا يبرزها إلا هذا البناء.
أما المضمون فأهم ما يميزه هو تناوله لأحداث تتنوع تداعياتها وفكرتها وهي حقائق
واقعة في كل مجتمع أيا كانت ثقافته لأنها تمس الانسان وتهم الانسان سواء على الصعيد
الثقافي أو الاجتماعي والأسرى.
ومن أجمل ما يميز هذه المجموعة القصصية الرحيل والميلاد انها احتوت على ستة عشرة
قصة جاءت في ايقاعات سريعة وبجمل قصيرة وحوارات قصيرة مكثفة ومدلية بالمضمون الذي
يبتغيه القاص، وتتراوح هذه القصص بين ثلاثة محاور محــــاور أو مضامــين.. الأول
هــو الجـانب
ومن أجمل ما يميز هذه المجموعة القصصية الرحيل والميلاد انها احتوت على ستة عشرة
قصة جاءت في ايقاعات سريعة وبجمل قصيرة وحوارات قصيرة مكثفة ومدلية بالمضمون الذي
يبتغيه القاص، وتتراوح هذه القصص بين ثلاثة محاور محاور أو مضامين.. الأول هو
الجانب الموروثي والآخر هو الاجتماعي والثالث هو الايحائي او الرمزي.
ففي قصة ما تبقى من شظايا المحار نجد ان الذات الكاتبة تختفي تماما لتجعل من الكاتب
مصورا وفنانا تشكيليا يجعل من الحروف ألوانا فيصور لنا مشهد هجوم الآلات الحديثة
التي تلوث بضوضائها هدوء الشاطىء وجماله فتحجب جمال البحر وتجثم على رماله الناعمة
الذهبية ما تبقى من شظايا محار وتحاول أن تطغى على الصوت الرخيم الشجي الذي يغريك
سماعه.
ومن خلال هذه اللوحة الفنية تصلنا رسالة الكاتب جمال فايز وفكرته الواعية فهو يقصد
بهذه الآلات (الحداثة).
أما البحر فهو (الأصالة والجذور) وإن ما حدث على الشاطىء إنما هو تحديث وليس حداثه
هو الدعوة للدوران في مدارات العبث والانفلات من جذورنا الأصيلة من المنطق السليم
نحو الهذيان وليس التجميل. ولأن الحداثة لا تعترف بالميراث فجاءت بهذه الرافعات
الحديثة لترص أحجارها لتحجب به البحر وما تبقى من شظايا المحار.
وكما استخدم المؤلف عنصر المكان والزمان في القصة ليفصح عن اتجاه الوعي فهو استخدم
أيضا المجاز والرمز واللون لتبدو لنا تلك اللوحة التشكيلية التي اختتم بها القصة.
التفت ناحية الغرب حيث تسير الشاحنات بعضها وراء بعض تصغر تختفي في قرص الشمس
الأحمر القاني.. (التفت ناحية الغرب) أي مبعث الحداثة التي جاءت شاحناتها منه لتدمر
البحر ثم تعود.
فالحداثة بمثابة محاولة يائسة للهروب من الحاضر ومن المجتمع فهي خروج على المجتمع
وعلى قيمه الفضلى وثوابته الأساسية. فهي لم تأت بجديد يحتفي به طالما تجاوزت الأسس
والثوابت التي رسخت في وجداننا الفكري والمعرفي وهذا ما عبر عنه الكاتب جمال فايز
في نهاية القصة: مضت سنوات والسماء حبلى بالغيم لكن لم يسقط مطر نصلي صلاة
الاستسقاء ولا يسقط مطر لا يسقط مطر .
لا
شك في ان القاص جمال فايز صاحب إبداع متميز قادر على الاضافة وذلك بمعالجته الفنية
الواعية باستخدامه الشكل غير المباشر وبفيض دلالته وتباينها.
كما تناول جمال فايز في مجموعته القصصية الحياة الاجتماعية والعلاقات الأسرية..
فنراه في قصته (قطعة سكر) يخالف العديد من الكتاب ويتلافى عيبهم في ان ينطق شخوصهم
بغير ما هو واقع.. وإنما نراه في هذه القصة يخفي الذات الكاتبة مبتعدا عن ضمير
(أنا) إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل (الرسالة) التي يريد لها أن تصل الى المتلقي.
فهو لم يقف متفرجا في قطعة سكر على مفارقات واقع الحياة الزوجية بل يهدف من إلقاء
الضوء على الحوار بين الزوجين الى الوعي وتطور الشخصية من اجل التغيير لحياة أسعد
وأفضل.. فكان الكاتب جمال فايز صادقا في الحوار من أجل العلاج.
ولنا هنه أن نشير الى المبدأ النقدي الذي فحواه ان الصدق في تصور مشاكل المجتمع من
خلال عمل ابداعي لا يقل اهمية عن علاجها بل ان التصور الصادق يفوق العلاج احيانا.
وهذا ما يراه الكاتب الروسي تشيكوف كذلك المفكر والفيلسوف الاقتصادي الألماني
(انجلز) الذي قال انه من خلال قراءته لأعمال الكاتب الفرنسي بلزاك وغيره من الكتاب
الذين أجادوا تصوير مشكلات الطبقة العاملة قد عرف الكثير والكثير أكثر مما عرفه من
التقارير والدراسات الاقتصادية.
وأما حل هذه المشكلات فقد جاء في أعقاب ذلك بفضل التنبيه الى حقوق العمال في مواجهة
طبقة أصحاب الأعمال.
وبالقياس ينطبق ذلك على المشكلات العائلية والزوجية في قصة قطعة سكر وقصة أرواح
البيوت فقد عرض الكاتب المشكلة ونتائجها عسى تفيد المتلقي وتكون الوقاية خيرا من
العلاج.
أما قصة الرحيل والميلاد وهي التي سميت بها المجموعة هي فعلا تصوير صادق لشكل وواقع
الحياة.. وقد كان لاختيار الكاتب وقع أحداثها عن المقبرة اختيارا موفقا لأنها تمثل
التراب أي أصل الخلق والحياة واليه الموت والرحيل.
وملخص القصة هو حال الانسان الجشع الطماع البخيل الذي انتهت أيامه كما تعرت أوراق
وفروع الشجرة المعمرة ولم يبق بعده الا ابناء كأغصان الشجرة المتخشبة لا حياة ولا
رجاء منهم لم يعرفوا معنى الحب والبر وانما توارثوا الطمع والجشع بدليل شجارهم جوار
المقبرة، وتعبيرات وجوههم التي لا تدل على الحزن لفقد أبيهم بل كانوا مبتسمين وهم
يشكرون المعزين غافلين انهم في حدث جلل ولهذا استاء الكهل صديق المتوفى من هذا
المشهد وراح يضرب كفا على كف.
وتصوير الكاتب لتلك الشجرة التي حطت عليها العصفورة تطعم صغارها في العش واقتراب
الكهل منها وحين لاطفته احدى صغارها بجناحها دس رأسه تحتها ليتدثر بدفئها. وكأن
الكاتب يريد ان يقول كان الكهل يبحث عن الحب والدفء في عالم آخر هو عالم الكائنات
حيث الطيور التي تعرف الحب والرحمة والعطف أكثر من عالم الانسان.
وكأن منظر العصفورة بصغارها هو الوجه الآخر للرحيل أي الميلاد والشروق الذي أمله.
قد
أبدع الكاتب جمال فايز في هذا التصوير وعقد المقارنة التي لن يغفل عنها انتباه
المتلقي بين سلوك الانسان وسلوك الكائن الآخر فمثلا في الطير يصل لنا رسالة الكاتب
وكأنه يريد بتلك المقارنة ان يعلمنا منهج التربية التي اتبعتها الطيور الضعيفة حيث
رعاية صغارها بالحب والعطف حتى يشبوا على ذلك وتورثهم اياه بدلا من حياة الجشع
والطمع التي يورثها الطامعون فيحرموا بر ابنائهم وقد اختار الكاتب العصفور بالذات
كرمز للقناعة والرضى بما قسم الله له فكما هو معروف يكفيه الحب والعش.
نعم لقد أجاد الكاتب جمال فايز وأضاف فهنيئا للأدب ولعالم القصة بهذا المبدع
المتميز.
---------
*
نشرت في جريدة الراية القطرية ، صفحة ثقافة وأدب ، بقلم عزة رشاد ، العدد (7914) ،
7/1/2004م