ليـلة الكـرنكعـوه
قصة قصيرة
دخل صالة المنزل مجموعـة أطفال ، منشدين مرددين ، " كرنكعوه كركعوه .. عطونا
الله يعطيكم ....."(1)
، وحينئذ ، توقفت عن قراءة الجريدة ،
وضعتها على حضني أراهم .. كانوا جميعماً يرتدون الملابس الشعبية ، بعض
الصبية ، وضعوا على رؤوسهم "القحفية"(2)
، بعضهم الآخر وضع عليها الغترة
والعقال ، بعض الصغيرات ، لبسن على "دراريعهن"(3)
البخنق(4)
، بعضهن ثوب "النشل"(5)،
وبعضهن وضعن على رؤوسهن "الطاسة"(6)
، وجميعهم تتدلى على صدورهم أكياس من قماش ، مخيطة من اطرافها حول أعناقهم.
تسابقوا الى والدتي عندما رأوها ،
تزاحموا حولها ، كل يفتح كيسه لها ، ورأيت الفرحة بادية عليها ، لحظت انشغالها
بإدخال يدها في كيس "بلاستيك" شفاف كبير ، تخرج منه مكسرات ، تضعه في أكياسهم ،
حينها ، تمنيت لو أن أحدهم كان طفلي .. جميعنا في الكِـبر .. نتمنى لو كان
عندنا صغار .. نرى أنفسنا فيهم .. إلا ان البعض لحكمة لا نعلمها يحرم منهم ،
وبصوت عال مسموع في صدري قلت ... "سأظل عند وعدي لك .. لن أدعك وأذهب إلى غيرك
.. ولن أيأس من مواصلة علاجنا سويا" ، وتنهدت .. "يا الله .. يا كريم" ..
شاغـلت ألمي برؤيتهم ، لفت انتباهي طفل
نحيف ، تميل بشرته إلى البياض ، زان جماله شعره الأسود ، المنسدل على جبينه ،
الملامس كتفه ، وعينيه السوداوين ، الواسعتين البراقتين ، الوحـيد دون البقية ،
لم يتقدم إلى والدتي ، ظل واقفا في مكانه ، ينظر إلي وفي كيسه ، ولا أعرف لماذا
لحظتها وضعت الجريدة جانبا ، واتجهت له ، جلست على ركبتي أمامه ..
سألته:
- في أي صف دراسي أنت ؟
أجاب بعفوية:
- الإعدادية
ضحكت وقلت له:
-
ما شاء الله ، وفي أي صف دراسي في المرحلة الإعدادية .. الأول .. الثــانـ ..
ـي ..؟
-
الجامعة مثل اختي
مسحــت على شعر رأسه ، أخرجت محفظتي ،
وضعت نقودا في جيب ثوبه العلوي ، عدت ثانية إلى حيث كنت ، الكرسي المتوسط
الغرفة ، أخذت الجريدة ، أطالعها وأنظر إليه ...
شـكر الأطفال أمي ، بدأوا ترديد الانشودة
من جديد ، والخروج من الصالة ، حينها تعمدت إبقاء نظري عليه ، والرجاء إلى الله
.
الدوحة – أكتوبر 2006م
--------------------
هـامش:
(1) الكرنكعوه: من الأناشيد
الشعبية في التراث القطري وبقية دول الخليج العربي ، تقال في مناسبة إجتماعية
مساء يوم الرابع عشر من شهر رمضان المبارك مع اختلاف الاسم في بعض الدول
الخليجية ، وفي هذه الليلة يخرج الأطفال جماعات ويتباين عددهم من مجموعة لأخرى
ويدخلون البيوت منشدين لإعطائهم المكسرات
(2) القحفـية: غطاء من
القماش يوضع على الرأس.
(3) الدراعـة:
لباس شعبي للفتيات والنساء وهو نوعان إما منقوش أو يكون سادة ومطرزاً على
الجوانب
(4)
البخنـق : لباس شعبي للفتيات الصغيرات كان شائعا في قطر وبعض دول الخليج
العربي الأخرى إبان فترة الغوص ، ويتميز بلونه الاسود وتطريزه الفضي او الذهبي
، وطوله من الخلف حيث تلبسه الفتيات مع الدراعة ، ولا
يزال يحرص أغلب الأهالي على ان تلبسه الصغيرات في هذه المناسبة الشعبية.
(5) النشــل:
يطلق على الثوب المطرز الفضفاض ، وكان في فترة الغوص يلبس عادة في المناسبات ،
ويكون من قماش لبْرِيسَم أو الحرير او الشيفون ، وهو مطرز من جميع نواحيه بخيوط
ذهبية. وكان أحسن ألوانه الأحمر والأخضر والأسود.
(6) الطـاسة: قطعة مذهبة ،
توضع على الرأس ، تتدلى منها حلقات مذهبة ، دائرية الشكل من الجوانب ، مثلثة
على الجبين ، ترتبط بحلقات صغيرة ، متداخلة مع بعضها.
----------
*
من المجموعة القصصية "عندما
يبتسم الحزن ، الطبعة الأولى بيروت 2008م