تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
03/01/2010
الـفـطــري
بقلم الناقد الشاعر: إمام مصطفى
كاتب فطـري بـدون تزويق وكأنـه بيكـتب تحـقيق
تقدر توصـف شغـلـه بأنـه قلب صديق بيبوح لصديق
....
هـوّه كمـان فـايت هـيمان بيفتش عـن طـعم زمان
في أماكن غيّروا ملامحها
وعماير بـدل الفـرجـان
....
إزاي مش قادر يتصوّر إن الزمن الحـلـــو اتغيّر
طعم الدنيا صبح مستورد نكهه صناعي ولون مش أكثر
...
ثم زمانّا زمـن تقعـير لازم رمـز لـكل ضمــير
والفاعل يصبح مفعول والساهـل محـتاج تفســير
......
يعني الفن دخل في المعمل ده ع الزيرو وده مستعمل
ومعادلات وكلام مش فاهمه واللي بيقــرا عليه يتحمّل
.....
سدرة مين ودريشه وحوش ده احنا وصلنا لحلّق حوش
لسه بيحلم ابيض واســود خايف اقوله حــلمك بوش
.....
حتى ملامحه بقت تراثيــه ده بيتصـــور بالقحفيه
ويسلم ع الناس ويبوسهم وبيشــرب ميّــة حنفيّه
...........
وهذا أحد المبدعين القطريين الذين لا يثيرون ضجة كاذبة ، ولا يعشقون أنفسهم
إلى حد النرجسية ، ولا يطاردون الشهرة بسياراتهم رباعية الدفع ، يكتب في هدوء ،
و يمشي حافيا حتى لا يزعج الآخرين ، حاسرا كما لو كان في بيته ، مبتسما لأنها
مش ناقصه تكشير.
قصصه تنتهي قبل أن تبدأ ، أو هي تبدأ حين تنتهي ، هو نفسه لا يعرف ولا يريد أن
يعرف لماذا ، هو غير معني بأن يشرح ويفسر ويتفلسف ، قصصه واضحة وضوح فطرية
الأطفال ، فيها واقعية لوحات علي ويوسف الشريف ، وبساطة ألحان حسن علي .
في أدبه تكتشف تفاهاتك قبل تفاهات الآخرين ، وعيوبك قبل عيوب أبطال قصصه ،
فتراجع نفسك وتحاسبها بينما أنت مستمر في السباحة معه ، ثم أنه يعيدك للشاطئ من
جديد ويودعك بابتسامة ذات معنى وكأنه يهمس لك " شفت اشلون ؟ "
يعرض قصصه بطريقة العطارين في سوق العطاره ، وليس بطريقة الصيدليات الإستعراضية
، لا يطاردك أو يلح عليك ، يعني .. عايز تقرا اتفضل مش عايز شرفت الدكان .
يكتب عن زمن جميل ، كان فيه كل سكان قطر يسمعون صوت البحر ويشمون رائحته ،
ويعتبرونه بداية الكون ونهايته ، يحترم الصغير الكبير ، ويقدس البشر ما يستحق
القداسة ، الكل يعمل والكل يفرح برزقه ، للحزن جلال وهيبة ، وللفرح بهجة
وانشراح ، وللحياة طعم .
ينتمي ولا تسألني كيف ، إلى زمن السدرة والنخلة ، والمسجد الصغير والمقبرة
الصغيرة ، يدعوك لأن تشاركه الرؤية بل ويغريك بأن تكتب معه .
لو كانت الفرجان كما كانت على حالها ، لوجدته أول المهنئين وآخر من ينصرف من
المشيعين ، وأول من يقدم يد المساعدة لمن يحتاجها .
تركيبة فطرية لا تصلح للتجارة ولا للسياسة ولا للجندية ، وكأنها خلقت لأن تكتب
فقط .
شخصيا لا أنوي الكتابة عن قصصه ، ولا عنه شخصيا ، وإنما أسعى خلف روحه اللاهثة
سريعة الإيقاع ، روحه الصريحة التي لا تخجل من أن تصارحك بمعاناة طفولتها وبؤس
معيشتها وجفاف الواقع المحيط .
حيـن تقرأ قصص جمال فايز فإنك تعرف عنه أكثر مما تعرف عن قصصه ، هو كاتب فطري
بقدر ما جاسم زيني هو رسام فطري ، يعني ببساطه ليست هناك أية مراوغات ولا حيل
ولا فخاخ ينصبها ف طريقك وأنت تقرأه ، هو منحاز للفريج القديم ، ومتشكك في
ناطحات السحاب ، يحن للدكان ولكنه مضطر للتعامل مع المول والهايبر ، في هذه
المنطقة يستدعي الكتابة لتخلصه من عناء القلب ، يستدعيها فينسى السقف السولوتكس
، ويتخيله دنشلا له رائحة الغابات والبحر والسفن ، كده ببساطه ومن غير زعيق
ولا احتجاج وتمرد و مصطلحات حنجورية .
قصاص أو قاص بطعم الماضي ، تجلس معه فلا يحدثك عن نفسه ولا عن قصصه ، وإنما
يتركك تسأله لتكتشف في إجاباته براءته ، حين يخرج لك روحه ويقدمها لك على طبق
مخلوطة بحبات الكنار وعقود المشموم وبعض التمر .
هي ذات الحكايا والهموم التي يمكن أن تسمعها من قطري أحيل للتقاعد ، أو سيدة
تحكي قصتها لأخرى قابلتها مصادفة في حديقة البدع ، أو جد يتمتم لزميله في عنبر
كبار السن في الرميله ، ذات الحكايا التي تخلطها وداد الكواري بالتوابـل
الدرامية ، وتقدمها مع خبز الرقاق و الهريس والساجو في الشهر الفضيل ، حكايا
بسيطة بساطة راويها.
ومن الصعب أن تضبط صديقي الفطري مستخدما عبارة طنانة أو تعبيرات رنانة ، للفت
نظرك لمقدار ثقافته ومهاراته في اللغة ، وأنا بالذات أنبهر بمن على شاكلته من
البسطاء ،
نسيبنا شوية من اخونا جمال فايز وقصصه ، وأكلكم عن نفسي ، أنا بقى أحب أقعد
أسمع قصص العيال من لسانهم ، واحب لما اركب طياره أو أوتوبيس أخللى اللي جنبي
يحكي زي ماهو عاوز ، أسمع حكايات البياعين والصنايعيه لما اتعامل معاهم ، عشان
كده إنا متيم وهيمان وواقع في دباديب اخونا الفطري القاص التلقائي الطيب جمال
فايز
الذي اخترع في قصصه رسائل إلإم اس.. والماسيجات الخاطفة .. والتلغرافات
الأدبية قبل كيوتل والفنوات الفضائية.
وعلى الرغم من بساطته وبساطة ابداعاته ، إلا أن ما يكتبه النقاد عن أعماله
تعقد الأمور أكثر مما تبسطها ، فسقوط الرطب من النخلة يتحول معناه عندهم إلى
سقوط الذات في مستنقعات الوعي ، والجلوس على الدكة في الحوش يصبح في عرفهم
جلوس العالم الثالث منتظرا مرور العالم الأول لإلقاء تحية المساء ، أما موت
الأب عندهم فيا داهيه دقي ، وعينك ما تشوف إلا النور ، تفسير موت الأب ده بقى
بالذات كوم ، وباقي التفسيرات كوم تاني ، يقولك ياسيدي .. موت الأب ده بقى يعني
موت التاريخ وموت الحضاره وانقطاع الحبل السري الواصل بين ابطال القصه من
ناحيه ، والأبعاد الميثولوجيه الأنثروبولوجيه من ناحيه تانيه ( يادي الوقعه
السوده ) ، ثم إنهم دفنوه في بوهامور تحديدا ، وليس في مقبرة سميسمة حصرا ،وذلك
معناه إن التطلع للشمال متأصل في روح الفقيد باعتبار إن بوهامور جنوب أو قبله ،
وعليه يستنتج الناقد أن الفقيد لم يكن متدينا وأن عياله أنذال وأي كلام.
وهكذا تطلع روح القارئ مع روح الفقيد والبقاء لله ، ويفرح النقاد بتشويه القصه
وتعذيبنا وينشرحوا آخر إنشراح بكلامهم الحنجوري اللي لا يودي ولا يجيب.
وحقيقة الأمر أن كلامهم هو اللي أي كلام ، فجمال فايز المسكين لم يقصد ذلك ،
ولم يخطر بباله أساسا موقع المقبرة من خطوط الطول والعرض ، وتتكلكع الأمور
أكثر فأكثر حين يتم تحويل النص إلى مربعات ومثلثات ودوائر وأشكال هندسية ، فيتم
طلسمة القصص بالكامل على أمثالي من راسبي مادة الرياضيات ، وتنحرف الأمور إلى
غير ما قصد الكاتب ، فيكره القارئ حياته ، والأدب القصصي ، والنقد الأدبي ،
وجمال فايز فوق البيعه !
كان في نيتي أن أكتب شخصية اليوم في أسلوب مرح وسريع ( ألليجرو يعني ) لكن فلت
من القلم وسرح لمناطق الحنين والذكريات واللي مايتسموش والحاجات اللي زي كده ،
معلهشي .. خيرها في غيرها .
منك لله ياجمال يافايز.. شربكتني معاك ونسيتني القفله اللي كنت ناوي اقفل بيها
المقال ، على أية حال يعطيك العافيه برغم إني قفلت المقال على صباعي.
--------------
هامش:
-
نشرت في ملحق "استراحة الجمعة" ، جريدة الراية القطري ، الجمعة 23/3/1427 هـ
الموافق 21/4/2006 م ، العدد: 8749 ، صفحة: 3 ، زاوية شخصيات قطرية ، بقلم
الناقد الشاعر: إمام مصطفى