تحـت ظـل النخـيل
قصة قصيرة
1
في ساحة الانتظار ، أقحواني البشرة ، خرج من سيارة حديثة الصنع ، وغالية الثمن
، تـوجه إلى الجمع البشري ، الذي يقف تحت ظلال أشجار النخـيل 0 ثمرها غض أخضر
00 سعفها فاقع أصفر 00 ولما وصل ، تنافس الواقفون في وضع أكفهم على جسده ، وفي
وضع راحات أيديهم على وجهه ووجوههم ، ليشعروا ببقايا آثار البرودة ، الباقية
فيه من مكيف السيارة ، وضحكاتهم ونظراتهم ، تعري أسنانهم الصفراء ، المتوارية
خلف شفـاههم السمراء0
طـال الانتظار ، وكلما مضى الوقت ، اشتدت حرارة أشعة الشمس ، تلسع أجسادهم ،
يلفـح الهواء الحار وجوههم ، فيسيح الدهن من ثنايا خصلات شعورهم ، يمتزج مع
حبات العرق ، الذي يسيل على الوجوه ، يعانق معظمه ماء الصدور، ويمسح بمناديل
رطبة 0
2
مع انتصاف النهار ، اخترق حـديث الرجال ، نداءات حـادة كزئير الأسود ، هرول
الرجال إلى السيارات ، ومثلهم فعل ، أدار محرك السيارة ، ومفتاح المكيف ،
فانبعث منه هواء بارد ، نفح وجهه وصدره ، امتزجت رائحته مع رائحة نفاذة ،
فشكلتا رائحة ثالثة0
في آخـــر النهار ، عبرت السيارة جسورا عديدة 0 توقفت عند إشارات مرور كثيرة ،
وكلما ضغط على دوّاسـة البترول ، علا أنين محركها ، وكلما طـالت المسافة ، زاد
ارتفاع مؤشر الحرارة ، يعلن عن رغبته في إطفاء جذوته
3
في الليــــل ، يتغـير الحال ، وتتبدل الأدوار ، وفي الصباح ، يرجع إلى سابـق
عهـده ، ينحصر واجبه في قيادة السيارة ، يجتاز بها الجسـور ، يطـوي مسـافة
الطريق ، وينتظر إلى أن ينادى إليه مع جمع بشري ، تلفحهم حرارة أشعة الشمس ،
ويقيهم من حرها ، وقوفهم تحت ظلال أشجار النخيل ، ثمرها غض أخضر ، وسعفها فاقع
أصفر 0
الدوحة - أغسطس 1997م
---------------
*
من المجموعة القصصية
الرحيل و الميـلاد ،
الطبعة الأولى الدوحة 2003م ،
الطبعة الثانية بيروت 2007م