الـرحيـل و
المـيــلاد
قصة قصيرة
ونسيم بـارد ينعش الأفئدة ، ونجوم تتلألأ في سماء صـافية ، وبدر مكتمل ، ينير
الدرب للسائرين ، ومن المسجد العـتيق ، الملاصق للجدار الخارجي للمقبرة ،
المبني من الحصى والطين ، وسقفه المكون من الحصير ، وخـشب "الدنجل" (1) المربع
الشكل ، يخـرج كهل نحيف ، مقوس الظهر ، يتوكأ على عصاه المقوسة ، يمشي ببـطء
وراء الخـارجين من المصلى ، السائرين خلف جثمان رداؤه أبيض.
|
استرعــى
انتباهه ، ما رآه بالقرب من الباب الخارجي للمقبرة ، حيث توجد شجرة معمرة ،
تعـرت من أوراقها وفروعـها ، إلا من بعض أغصانها المتخشبة ، متوسطة الطول ، على
أحد أغصانها ، يوجد عش ، حطت فيه عصفورة ، في حجم الكف ، أخذت تطعم صغارها
الثلاثة ، اقترب ناحيتها ، مبديا حرصا كبيرا على ألا يحدث صوتا ، رمقته
العصفـــورة ، بنظرة خاطفة ، ابتسم ينظر إليها ، لم تعره اهتماما ، دنا منها ،
واصلت تقـوم بذات الفعل ، غير آبهة لتطفله . |
|
 |
انتبه لصوت يسمعه ، يأتيه من بعيد ... " بو عبدالله " ، تراجـع إلى الوراء ،
اتجه إلى حـيث مصدر الصوت ، وصل يلفظ أنفاسه ، وأثناء انهماك القائم على خدمة
المكان ، بإلقاء التراب على الجثمان ، تعاظم حزنه ، وهـو يرى صاحبه ، يتوارى
أمام ناظريه ، شيئا فشيئا ، كلما انهال عليه المزيد من التراب ، تملكـته الرغبة
في البكاء ، استـنشق نفسا عميقا ، وهـو يدير رأسه بعفوية ، في حركة شبه دائرية
، تذكر أيامهما ، ومعهما آخرون ، يلعبون " بو سبيت حي لوميت" (2) ، ودخولهما
البحر ، في مواسم الغوص ، بحثا عن اللؤلؤ ، وعملهما في صباهما ، بادئ الأمر على
ظهـر سفـينة البوم (3) تبابـين (4) ، ثم في كبرهما ، أصبح غائصا ، وفضّـل رفيق
دربه ، المتواري خلف التراب ، القيام بمهنة "السياب" (5) .
وتنهد وهو يحدق في صاحبه ، خالجته ابتسامة وهو يتذكر محاولاته المتواصلة ،
بمغافلة الآخرين ، لإخفاء دانة في فمه ، ونهرَهُ بنظرات حادة ألا يفعل ، ونجاحه
في إحدى المرات ، أثناء فلق المحار ، وانفراده به بعد العشاء ، وتهديده إن لم
يعدها ، بأن يفشي أمره عند النوخـذة (6) ورجاءَ المسجى في الحفرة ، بألا يفعل ،
في مقابل أن يعطيه بعض المال ، بعد بيـعه الدانة ، وتذكر سخطه ، بينما ظل صاحبه
، يحاول جاهدا تهدئته ، يرجوه خفض صوته ، وقسمهُ بحـاجته لها من أجـل أهلـه ،
ثم مقـاطعهُ موبخا ... إنما هـو البخـل الذي أماتك حيا .. يا رجل ، أنت .. ليس
عندك امـرأة .. ولا ولـد .. على ماذا كل هذا ، ويمازحـه .. سأفعل ، صدقني سأفعل
، وأنت أول من سأسمي ابني باسمه
التفت ينظر إلى الحاضرين ، المتحلقـين حول القبر ، رأى أكبر أبنائه ، مع شقيقيه
واقفين بعيدا عن الجمع ، يتلاسنون والأوسـط يحكم قبضة يـده اليسرى ، في وسط صدر
أخيه الأصغر ، نظر من جديد إلى صاحبه يعاتبه ، لمـا آل إليه حال أبنائه ، شعر
بمداهـمة وجـع في صدره ، وضع راحة يـده اليسرى على ظهر الأخرى ، الموضوعة على
رأس عصاه ، نظر إلى السماء ، يسأل الستر ، ثم بعد حين ، نظـر إلى البدر المكتمل
، استدارته كانت مفتاح دخولهما البحر ، يدخلانه وفي يديهما جفيران ، يدسان
فيهما السمك المحشور في فم الشباك ، وعتابه لـه ، كلما غافله ، وذهب إلى شباك
الآخرين ، يسرق الموجود بها من السمك ، وأمره له بالكف عن تصرفاته ، وأحيانا إن
يئس أو ضجر من أفعاله ، يهدده بتركه ، وبالتخلي عن صداقته ، لكنه يأتيه بعد حين
، يؤكد له ، إنما ذهب ليرى كمية السمك ، الموجودة في شباك الآخرين ، ليعلم
أصحابه ، ويواجهه بحـقيقته ، فيقاطعه .. يحدثه في موضوع آخر .
أفاق على يد خشنة ، حانية تربت على كتفه ، بينما ظل شاخصا ببصره إلى المكان ،
حيث سُـجي فيه جثمان صاحبه ، الذي لم يبق من أثره ، إلا سنام بارز من الأرض ،
وصخرتان وضعت إحـداهما عند رأسه ، والأخرى عنـد قدميه ، ردد بصوت متحشرج على
معزيه ، ومن جاء بعـده ... " أجـرنا وأجرك " .
مسح بيديه على وجهه ينطق الشهادتين ، اتجه إلى أبنائه الثلاثة ، يعزيهم في
فقيدهم . استاء من الذي رآه في وجوههم . حاول بتعبيرات وجهه ، تذكيرهم بالحدث
الجلل ، لكنهم واصلوا مبتسمين يشكرون المعـزين مجيئهم إلى المقبرة ، تركهم
مبتعدا ، يضرب كفا بكف .
عند الباب الخارجي للمقبرة ، تعمد هذه المرة ، أن يذهب ثانية إلى الشجرة
المعمرة ، والنظــر إلى العش ، ينظر إلى العصفورة ، التي بسطـت جناحيها فوق
صغـارها ، دنا راغبا في رؤيتها ، فتحت الأم عينيها ، تنظر إليه دون أن تحرك
ساكنا ، أطل أحد صغارها من تحت أحد حناحيها ، لاطفته بجناحها ، دس رأسه تحتها
ليتدثر بدفئها ، أغمضت العصفورة عينيها ، بقي مكانه لوقت وهو يأمل أن تراه من
جديد ، لكـنها لم تفـعل ، ابتعـد لما أيقـن خيبة ظنه ، ورجائه ، يسأل الخارجين
من المقبرة ، إيصاله إلى بيته .
الدوحة – فبراير 2002م
هـوامـش:-
(1) الـدنـجـــــل: هو عبارة عن خشب شجرة المنجروف والباسجيل
وكان يستخدم في سقف المنازل القديمة وكان يجلب من البحرين وإيران ويدهن بألوان
مختلفة خاصة في المجالس كنوع من الديكور والكلمة من الفارسية. ودنجل معناها خشب
الصندل وهي من الكلمات المعربة .
(2) بوسبيت حي لو ميت: من الألعاب الشعبية التي كان يلعبها
الصغار في فترة ما قبل البترول ، وتقوم فكرتها على أن يتم حفر حفرة في مكان فيه
رمل وفي الأغلب تمارس عند شاطئ البحر ويختار لاعب من بين مجموعة اللاعبين
الصغار ويغطى رأسه بالغترة - وهي قطعة قماش توضع على رأس الرجل العربي - ثم
يبدأ الآخرون في إلقـاء التراب وأثناء ذلك يسألونه بترديد هذه العبارة: "بو
سبيت حي لو ميت " فيرد: " حي " إلى أن يصل إلى لحظة يشعر فيها بصعوبة التنفس
أو بعدم قدرته على التنفس فيجيب بكلمة: "ميت" ، وهنا يتم إخراجه من الحفرة
والفائز من يظل أطول فترة زمنية من الآخرين وتعد هذه اللعبة من الألعاب الشعبية
التي تؤهل الفتية للتـدرب على عدم التنفس لأطول فترة زمنية ممكنة وبالتالي تعد
تدريبا عمليا قبل ممارسة مهنة الغوص في أعماق البحر حيث يتم جمع محار اللولؤ
الذي كان يعد بدوره عصب الاقتصاد في دول الخليج ومنها قطر .
(3) البــــــوم : الاسم الذي يطلق على إحدى السفن التقليدية
وتستخدم في مواسم الغوص بحثـاً عن اللؤلؤ في أعماق البحر .
(4) التـبـــــاب: الاسم الذي يطلق على الصبي الذي يعمل على
ظهر السفن التقليدية
(5) الـسيـــــاب: الشخص الذي يقوم بمهمة سحب الغائص بالحبل .
(6) الـنـــوخــذة: الاسم الشعبي الذي يطلق على قائد السفينة
التقليدية التي يتم الإبحار بها في مواسم الغوص بحثا عن اللؤلؤ .
---------------
*
من المجموعة القصصية
الرحيل و الميـلاد ،
الطبعة الأولى الدوحة 2003م ،
الطبعة الثانية بيروت 2007م