فئـران و حجـارة
قصة قصيرة
منذ أن هاجرت الشمس . وساد الوشاح الأسود . وهو جالس القرفصاء عند باب
خيمته . الجو يزداد برودة . يشعر به لا يدخل0 يتكور في مكانه 0 ينظر إلي أعلى 0
السماء ملطخة بغيوم داكنة 0 ينظر إلي الأطفال 0 الأطفال ثيابهم رثة 0 شعورهم
مبعثرة 0 أجسادهم متسخة 0 ومتكئ بعضهم عند حجارة كبيرة شبه مستديرة وآخرون عند
شجرة زيتون 0 يضربون الحجر على حجر أكبر 0 يا لهؤلاء 0 يوم أن كان في سنهم ،
كان يلعب الكرة وشد الحبل ، وهؤلاء لا يغريهم إلا لعبة الحجر 0
|
يتكور
أكثر كلما ازداد الجو برودة ، والغيوم يمزق الريح جسدها 0 الريح
يسمع صوتها وهي تدخل من ثقوب خيمته 0 ثقوب خيمته كل يوم وربما
أحيانا كل بضعة أيام تتكاثر مثل تكاثر الفئران 0 الفئران أصبحت في
كل مكان 0 لم تعد تترك لهم طعاماً أو أماناً 0 آه 0 الطعام .
وضـــع يـده في جـيوب
|
|
 |
ملابسه الممزقة في مواضع . الرثة في كل المواضع . يبحث ولا يعثر على شئ 0 آه 0
كانت عند والده الذي هوى على الأرض منذ شهر ونيف . كان آخر حزام أمان افتقده
ولم يرث منه إلا الذكرى والدمع . هذه رغبة والده .. كان دائماً يطلب منه الصبر
. حتى يوم هوى على الأرض بضربة قوية مباغتة ، تصبرّ ولم يئن . كأنما هي وصية
وضعها في عنقه .. "الإنسان لا يُذل إن لم يسجُد ، ولن يسجُد إن آمن بالصبر . لن
يستطيع أي كائن أن يلغي وجود آخر إن تجلد بالصبر" ، كانت هذه كلماته حين تمرد
على الذي سيأخذ منه قسراً منزله ومزرعته . وظل يتذكر .. الصبر .. الصبر ..
الصبر ..
الجو يزداد برودة . الفئران يسمع حركاتها من بعيد . الغيوم يلتحم جسدها
كلما تمزقت . السماء وشاحها ازداد سواداً . وسيدة ترنو ، تجلس بجانبه :-
-
ألن تدخل عن الهواء البارد ؟
- ماذا
سيحدث أكثر مما حدث ؟
-
المرض . الهواء البارد قد يصيبك بالمرض .
- لن
يكون كوباء 48
- قد
ينهمر المطر ، ويبتل جسدك ؟
- منذ
أن ولدت جسدي مبتل .
- ادخل
"وأردفت في رجاء أكثر" نحن بحاجة إليكم ..
- أنتم
بحاجة للصبر
- أنتم
دعاماته وإلا تكسر
- سيكون
مؤلماً أكثر من تورم ساعدي . "نظرت إلى ساعديه الملفوفين بقطع من القماش ،
وأردف مبتسماً" إنها ضريبة الصبر.
- "قالت
وهما يسمعان صوت الرعد" بوركت أيها الفتى .
- محمــد
- ابن
من ؟
- عبـدُالله
.. لكن الفئران قرضت أوراق هويتي
- وجودك
هوية "نظرت إلى أعلى" صوت الرعد يزداد ، قد يسقط المطر
- "ونهض
ذاهباً" ليسقط .
ظل يمشي بين الحطـام والأوساخ . في قرارة نفسه يود لو ذهب إلى قبر والده .
ولكن ، أين هو ؟ ، الفئران حينما تقرض جسداً لا يهمها أين ترمي ما تأكله ، عند
بوابة المخيم منع .. رجع .. في صمت رجع .
دخل منزله . لعنة الله على هذا الوباء . لقد بعثروا كل شئ . لم تبق ورقة
إلا وقرضت . ولا صورة إلا ومزقت ، وهو يعيد ترتيب غرفته . سمع أصواتاً في
الخارج . خرج فزعاً . اخترق صفوف قومه . رأى الفئران تقرض ما تبقى بينما
الأطفال بدؤوا يرجمونها بالحجر . الفئران تحمي نفسها . تفر إلى جحورها .
ساد المكان الهدوء ثانية . عاد الأطفال يمارسون لعبة الحجر . ذهب الأهل كل
إلى حاله . جلس في مكانه . يجاهد تحريك ساعديه . "تبّـاً لهما ، ألن يقوى
الساعدان بسـرعة" . قرب يده من حجارة صغيرة بجانبه . يحاول مسكها . رفعها .
يتألم . يعض بأسنانه شفتيه . تدمع عيناه لعجزه . الدم يمتزج وهو يلوث قميصه
الأسود مع لعابه الأحمر . يمسح دموعه على ركبتيه . إنها رغبة والده . لمح طفلاً
. ناداه . الطفل يقترب . يدنو منه . يطلب منه تحريك ساعديه . يتألم أكثـر . يئن
من الأعماق . يبتعد الطفل . يناديه . يبتعد . يختفي أثره وسط الأطفال . الأطفال
يلتقطون حجراً . تقترب صبية . يرجوها أن تقترب أكثر . يتوسل أن تكف عن البكاء .
يمد يده نحوها ، تتمتم:-
- والــ..دتـ..ي
- سـ..اعــ..دي
- لم
يعد لها أثر
- سـاعـ..دي
-
وأخي الذي في بطنها ، ربما . لا يرى الدنيا..
- "وناظرٌ
إلى يديه" يجب تمرينهما .
- "اتكأت
ممسكة بقبضة يديها كتفه" قلت لك والدتي .
- "وصرخ
أعلى منها " والدي قال الصبر
- "نهضت
على غرة ، وفي غضب ثائر" وأنا والدتي قالت الصبر . لكن الفئران ازدادت شحماً
ولحماً . "ذهبت عنه ، سمع صوتها ثانية بعد بضع خطوات" الصبر لا يطرد الفئران .
لا يطرد . لا يطرد .
صَمَتْ .. في ظل الصمت صَمَتْ . الدقائق تمرُّ عليه بتؤدة . والأطفال يراهم
ثائرين على الوشاح الأسود . الوشاح الأسود يتهادى . إنه ينهار ، والأطفال لا
يزالون يمرون من جانبه ، ولا يسمع منهم إلا قرقعت طبول الحجارة . الحجارة في
أيديهم . في قمصانهم . في دمائهم . أنهم مثل خيوط الفجر . يخلقون حياة جديدة ،
وهم لا يزالون حتى الآن يرجمون الفئران بالحجر .
الدوحــة - 1988م
-------------
* من المجموعة القصصية "الرقص على حافة الجرح"
، الطبعة الأولى الدوحة 1997م ، الطبعة الثانية القاهرة 2001م ،
الطبعة الثالثة
بيروت 2004م