تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/02/2010
آليات التشكيل
السردي في القصة القصيرة المعاصرة في التسعينيات
"الرقص
على حافة الجرح نموذجاً"
الناقد د/ مراد عبدالرحمن مبروك
الأستاذ المساعد بجامعتي القاهرة وقطر
مفتتح
(1)
تطورت القصة القصيرة المعاصرة في بعض الأقطار العربية تطوراً فنياً ودلالياً وذلك
نتيجة التغيرات التي طرأت على واقعنا العربي في الربع الأخير من هذا القرن، وبرغم
تأخر ظهور القصة القصيرة في بعض البلدان العربية لأسباب فنية وسياسية واجتماعية
وثقافية، كما في بعض بلدان المغرب العربي والخليج العربي، إلا أنها في بعض هذه
البلدان استطاعت أن تتطور تطوراً فنياً ملحوظاً وان تخطو خطوات متقدمة كي تواكب
مسيرة التطور التي لحقت بالقصة القصيرة في الوطن العربي.
وكان من مظاهر هذا التطور تعدد مستويات السرد في النص القصصي بحيث لا يقف عند تشكيل
احادي، أو بُعد أحادي الروية، بل يتجاوز البعد الأحادي إلى أبعاد ايحائية ودلالية
متعددة.
ولعلنا لا نبالغ حين القول، إن القصة القصيرة العربية المعاصرة منذ أواخر الستينيات
وحتى الآن (1997) عنيت عناية كبيرة بالجانب السردي نجد ذلك على سبيل التمثيل في مصر
في بعض قصص بهاء طاهر، وإدوارد الخراط، وجمال الغيطاني، ومحمود عوض عبدالعال، ومحمد
حافظ رجب، ومجيد طوبيا، وأحمد الشيخ، وعبدالكريم قاسم، وإبراهيم عبدالمجيد،ومحمد
المخزنجي،وإبراهيم اصلان، ومحمد مستجاب، ومحمد إبراهيم مبروك، وعز الدين نجيب،
ومحمد جبريل، وجار النبي الحلوة، وقاسم مسعد عليوة، وعلاء الديب، ومحمد المنسي
فنديل، ورفقي بدوي، ووفيق الفرماوي، ويوسف أبورية، ومحمود الورداني، وفي بلاد الشام
نجد بعض قصص غسان كنفاني، وهاني الراهب، ووليد إخلاصي وجورج سالم، ومحسن يوسف، وجبر
إبراهيم جبرا، ومحمد كامل الخطيب وغادة السمان، وخليل الجاسم الحميدي، وعبدالله
أبوهيف، وزكريا شريف، وإبراهيم خليل، وإميل حبيبي، وحنا مينا، وزكريا تامر وغيرهم.
وفي العراق نجد بعض قصص، شاكر خصباك، وعبدالرحمن مجيد الربيعي، وغائب طعمة فرمان،
ومهدي عيسى الصقر، وغانم الدباغ، وفؤاد التكرلي، وعبدالحق فاضل، وعبدالملك نوري.
وفي بلاد المغرب العربي نجد بعض قصص عبدالله العروي، ومحمد زفزاف وطاهر بن جلون،
وإبراهيم الكوني، وعبدالحميد هدوقة.
وفي بلاد الخليج العربية نجد بعض قصص، أحمد يوسف وعبدالله أحمد باقازي، وفوزية
رشيد، وليلى العثمان، وكلثم جبر، ومريم جمعة فرج، وسلمى مطر، وحسن رشيد، ويتضح ذلك
من خلال بعض دراسات الدكتور محمد عبدالرحيم كافود والدكتور عمر الطالب(1) ويواصل
جيل الشباب في الوطن العربي هذه المستويات السردية المتعددة فنجد جيلا في طور
التشكيل الفني، لا يبدأ من حيث ما بدأت القصة القصيرة العربية، لكنه يبدأ من حيث ما
انتهت إليه، فيبدأ بالتشكيلات السردية المستحدثة في القصص القصيرة. قد تكون هذه
التشكيلات لها ما يبررها فنياً في بعض المواضع وغير مبررة في مواضع أخرى، لكنها
تجسد في كل الأحوال مرحلة من مراحل التشكيل الفني في مسيرة القصة القصيرة من ناحية
وفي مسيرة الكاتب من ناحية ثانية.
ويصعب علينا في هذا الموضع حصر كل القصص القصيرة العربية لدى الشباب أو في عقد
التسعينيات لأن ذلك يحتاج إلى فريق عمل متكامل يقوم بإعداد ببلوجرافيا للقصة
القصيرة في الوطن العربي، وإذا كنا في قُطر عربي واحد هو مصر وفي فترة زمنية وجيزة
(1967-1984) أحصينا حوالي ثمانمائة كاتب للقصة القصيرة ممن صدرت لهم قصص قصيرة
منشورة بالدوريات أو بدور النشر العربية (2)، فكيف يكون الحال بالنسبة للقصة
القصيرة المعاصرة في كل الأقطار العربية. غير أننا نستطيع القول من خلال متابعتنا
لبعض هذه الأعمال –إن هناك ملامح مشتركة في مستويات السرد لدى هؤلاء الكتاب الشباب،
أو لنقل كتاب "الجيل الجديد" وهو الجيل الذي تشكلت ملامح الإبداع القصصي عنده في
النصف الثاني من التسعينيات، إذ أن هذا الجيل يحمل مسيرة القصص القصيرة في الرمق
الأخير من القرن العشرين وحتى أوائل القرن الحادي والعشرين.
ونقف على سبيل المثال عند مجموعة قصصية لواحد من الجيل الجديد هو الكاتب القطري
جمال فايز، ومجموعته "الرقص على حافة الجرح" التي صدرت عام 1997، وهي المجموعة
القصصية الثانية للكاتب، وعلى الرغم من أن الكاتب صدرت له المجموعة القصصية الأولى
بعنوان "سارة والجراد" عام 1991، إلا أنه يعد أن البداية الفنية الحقيقية له تتمثل
في مجموعته الثانية "الرقص على حافة الجرح" ونحن بدورنا نتفق مع الكاتب في هذه
الرؤية ومن ثم اقتصرت هذه الدراسة على هذه المجموعة التي تمثل المسيرة القصصية
للكاتب من عام 1988 إلى عام 1997.
فقد كتب أول قصة في هذه المجموعة وهي قصة بعنوان "فئران وحجارة" عام 1988 وآخر قصة
هي "الكهل الصغير" في يناير عام 1997، وقد نشر معظم قصص هذه المجموعة في الصحف
القطرية خلال الفترة المعنية، ويتضح هذا من خلال ببلوجرافيا المجموعة الملحقة في
نهاية الدراسة.
(2)
نعني بالسرد
Narration
ذلك المعنى الذي أراده س.ر.كينان
(S.R.Kenan)
وهو التواصل المستمر الذي من خلاله يبدو الحكي
Narrative
كمرسلة يتم إرسالها من مرسل إلى مرسل إليه (3).
إن السرد لا ينفصل عن الرؤية، لأنه يتشكل وفق القضايا المطروحة في النص القصصي
ويظهر لنا من خلال الأحداث المسرودة والمتتابعة على لسان الراوي في القصة القصيرة
سواء كان الراوي حاضراً يستخدم ضمير المتكلم، أو غائباً يستخدم ضمير الغائب وكل من
القص أو الحكي يقدم لنا في القصة من خلال السرد، لأن الراوي يقدم لنا الأحداث
والمواقف والمشاهد والشخصيات من خلال السرد وفي هذه الحالة يمثل الحكي الإطار العام
للقصة، بينما يمثل السرد الإطار الخاص، فالأول يقدم من خلال الثاني، ولا وجود
للثاني بدون الأول.
والواقع الذي يعيشه الكاتب هو مادة الحكي، لأجل ذلك يتشكل الحكي وفق تشكل المادة
المحكية، والسرد بدوره يقوم بصياغة المادة المحكية في شكل قصصي.
وتعتمد دراستنا لآليات التشكيل السردي في مجموعة "الرقص على حافة الجرح" للكاتب
جمال فايز على ثلاثة مستويات هي:
1-
السردية اللغوية.
2-
السردية السياقية.
3-
السردية "الزمكانية".
السرية اللغوية:
وتتمثل هذه السردية اللغوية في علاقة الصيغ السردية بالسارد، وفي مستويات السرد
اللغوي بعد أن تتشكل هذه الصيغ.
ونستطيع دراسة هذه السردي اللغوية في هذه المجموعة من خلال محورين، الأول: الصيغ
السردية والسارد، والثاني: مستويات اللغة المسرودة.
3/1
الصيغ السردية والسارد
عني بالصيغ السردية عدد كبير من الدارسين مثل: وين بوث وايخنباوم، وويلك ووارين
وغيرهم، ذلك أن الصيغة عندهم تمثل الأداة الفاعلة في النص القصصي، كما أنها تعد
الأداة الطيعة للقاص وتحدد هوية النص وأبعاده الزمكانية(4) وتتمثل العلاقة بين
الصيغ السردية والسارد في هذه المجموعة القصصية في جانبين:
-
السارد الحاضر "المشارك".
-
السارد الغائب "الراصد".
3/1/أ:
السارد الحاضر:
ويعني به السارد المشارك في سياق القصة وأحداثها من خلال استخدامه ضمير المتكلم، أي
أن الأحداث والمشاهد والصور القصصية تصلنا من خلال السارد نفسه، لأن السارد حينئذ
يكون حاضراً ومشاركاً في أحداث القصة وكأنه شخصية من شخصيات القص. وأهم قصتين
استخدمتا هذا التكنيك في قصص المجموعة هما: "الركض في الوحل" و"الرقص على حافة
الجرح" ففي قصة "الركض في الوحل" اعتمد الكاتب في معظم الصيغ السردي في هذه القص
على "السارد الحاضر" المشارك في كل أحداث القصة يقول: "وهكذا رأيت" ووقتها حاولت كف
النظر لكني فشلت، حاولت الاستغاثة فلم تخرج الكلمات، اثملتني حتى النخاع، كنت أراها
في البحار والأنهار والهضاب وبين الصخور، تتهافت علي في كل حين كطائر أخضرن يحوم في
الافق البعيد، تحوطها سيوف الأخوة من كل صوب، تقيها شر نظرات الغريب سرت إشاعة
خرجت مهرولاً لتقصي الحقيقة، وعندما وصلت وجدتها ترقد في بركة من الدماء..".
فالسارد هنا لا يرصد الحدث من الخارج لكنه يمثل شخصية من شخصيات القصة، وذلك
باستخدام الكاتب ضمير المتكلم، إن السارد في هذه القصة هو أحد الأخوة الذين كانوا
في مرحلة من المراحل أقوياء ويغارون على أرضهم وعرضهم، ولكن مع تغير معايير الواقع،
حل الضعف والوهن في عضد الأخوة، فأصبحت الأرض تستلب والشرف يغتصب بينما هم غارقون
في ملذاتهم الذاتية وكؤوسهم الحمراء.
واللافت للنظر أن المجموعة القصصية كلها لا نجد فيها إلا هذه القصة التي تعتمد على
السارد الحاضر، مما يدل على أن الراوي لا يعني بمشاركته في صياغة الحدث، لكنه يعني
برصد الحدث من الخارج. وعلى الرغم من أن هذه القصة بدأت في بدايتها بالضمير الغائب
إلا أن البنى السردية الطاغية في كل النص هي بنى الضمير الدال على الحضور، وتتفاوت
الصيغ الدالة على الماضي والحاضر والمستقبل وفقاً لمعايشة السارد للحدث، فكلما كان
السارد معايشاً للحدث زادت الصيغ الدالة على الحاضر والمستقبل، والعكس صحيح، كما هو
موضوح في جدول الصيغ السردية.
3/1/ب:
السارد الغائب:
ويعني به السارد الغائب أو الراصد أو المشاهد للأحداث التي يرويها عن غيره دون أن
يتدخل فيها، وذلك من خلال استخدام ضمير الغائب، وهذا النمط شكل محوراً بارزاً في كل
قصص المجموعة ما عدا قصة "الركض في الوحل" التي وقفنا عندها، وأهم القصص التي
استخدمت "تكنيك" السارد الغائب هي: الكهل الصغير، وحطام المسافات البعيدة، وفحيح
العاصفة، وتابوت من لحم، والرقص على حافة الجرح، والشرنقة، والمكافأة، ويوم الحصاد،
وإظلام، وفي عرض الشارع، وتوحد، وفئران وحجارة.
وفي هذه القصص نجد الكاتب يستخدم السارد الغائب من خلال استخدامه ضمير الغائب،كما
أن السارد لا يشارك في الأحداث بل يرصدها من الخارج أي أنه ليس شخصية من شخصيات
القصة يتفاعل معها ويشارك في أحداثها بل هو شخصية خارجية ترد الأحداث وترصدها دون
التدخل فيها.
يقول على سبيل المثال في قصة الكهل الصغير، "منذ
أن جاءت إلى المدينة الغيمة الكبيرة، وحجبت عن أهلها أشعة الشمس، وماؤها لا يكف عن
الهطول صباحاً ومساء" ويتابع سرد القصة مستخدماً ضمير الغائب حيث يصف المدينة التي
تغيرت معالمها، وتغيرت عاداتها النبيلة دون أن يتدخل السارد في أحداث القصة، ودون
أن يكون شخصية من شخصياتها.
ويقول في قصة "تابوت من لحم" حاوية قمامة تطل منها رؤوس أكياس عديدة توقفت بالقرب
منها سيارة فارهة، طلاؤها أحمر، ومن الداخل اسود، ورجل يترجل منها، يتقدمه كرشه
المنفوخ، ومطفأة سجائر، يمسكها بيده اليسرى، وهكذا نجد السارد في كل القصص المشار
إليها يسرد الأحداث دون أن يتدخل فيها، ويقف عند حد الرصد والمشاهدة.
ولعل شيوع هذا النمط في العملية السردية يرجع إلى أن السارد الغائب لا يميل إلى
الفعالية المباشرة مع الحدث، وليس عنصراً فاعلاً في الأحداث، بل يكتفي بالرصد
والتسجيل للأحداث الحياتية المعبر عنها في نسيج القصة.
غير أن السارد الحاضر يعبر عن رغبة السارد في أن يكون فاعلاً ومفعولاً في الحدث في
آن واحد.
كما أن العلاقة بين السارد والغائب والصيغ السردية تتوقف على طبيعة معايشة السارد
للحدث القصصي فكلما كان معايشاً للحدث في زمن الحضور أدى ذلك إلى زيادة الصيغ
الفعلية الدالة على الحاضر والمستقبل والتي تتمثل في صيغ "أفعل – يفعل
- !
يفعل – نفعل
- تفعل" غير أن هذا الأمر غالباً ما يكون في طريقة السارد الغائب لذلك في كل قصص
المجموعة لا نجد زيادة للصيغ الدالة على المستقبل أو الحاضر إلا في ثلاث قصص هي:
"فحيح العاصفة، إظلام، فئران وحجارة" ففي الأولى كانت نسبة الصيغ الدالة على الحضور
والمستقبل إلى الصيغ الدالة على الماضي (33:40) والثانية كانت النسبة (34:51)
والثالثة كانت النسبة (63:100) كما هو موضح في "جدول الصيغ السردية والسارد" ونظن
أن هذه الزيادة ترجع إلى اعتماد جزء من سرد هذه القصص على الحوار، لأنه من خلال
دراساتنا واستقرائنا للعديد من النصوص القصصية والروائية العربية وجدنا زيادة الصيغ
الفعلية الدالة على الحضور والمستقبل على الصيغ الدالة على الماضي، ولذلك نجد أن
هذه القصص برغم اعتمادها على السارد الغائب إلا أن هذه الزيادة تعزي إلى اعتماد جزء
من العملية السردية فيها على "السرد الحواري".
وكذلك الأمر في بعض القصص التي تقاربت فيها النسبتان – نسبة الصيغ الدالة على
الحاضر والمستقبل ونسبة الصيغ الدالة على الماضي- مثل قصة "الكهل الصغير" وحطام
المسافات البعيدة.
وكلما كان السارد غائباً عن الأحداث وغير مشارك فيه ولا يتدخل في سياقه ولا يعد
شخصية من شخصيات القصة كلما أدى ذلك إلى زيادة الصيغ الدالة على الماضي على الصيغ
الدالة على الحاضر والمستقبل. هذا ما نجده شائعاً في طريقة السارد الغائب، حيث نجد
معظم قصص هذه الطريقة يتحقق فيها هذا الأمر ، فنجد ذلك في قصص، الكهل الصغير بنسبة
(42:26)، وحطام المسافات البعيدة (39:44)ن تابوت من لحم (14:20) في عرض الشارع
(8:14)، توحد (3:12)، كما هو موضح في جدول "الصيغ السردية والسارد".
ومن ثم يتضح أن معظم قصص المجموعة اعتمدت على "السارد الغائب" ومعظم قصص السارد
الغائب زادت فيها صيغ الماضي على الحاضر والمستقبل، مما يؤكد وقوف السارد في هذه
القصص عند حل الرصد والمشاهدة.
ومن ثم يتضح أن معظم قصص المجموعة اعتمدت على "السارد الغائب" وأن معظم القصص التي
اعتمدت على طريقة السارد الغائب زادت فيها الصيغ الفعلية الماضية على الصيغ الفعلية
الدالة على الحاضر والمستقبل، مما يؤكد أن السارد الغائب يقف عند الرصد والمشاهدة،
وأن صيغ الماضي تتوافق في معظم الحالات مع السارد الغائب، بينما تتوافق صيغ الحاضر
والمستقبل مع المعايشة الفعلية للحدث ومع الحوار السردي، ومع المناجاة النفسية،
والتداعي النفسي.
ونقف عند قصة واحدة على سبيل المثال لتوضيح مدى اعتماد السارد الغائب على الصيغ
الماضية، ففي قصة "الشرنقة" يقول: على مدرج المطار دخل المسافرون في جوف الطائرة،
البعض منهم شعره أشقر، والبعض الآخر شعره أحمر وجميعهم ثيابهم شبه عارية ما عدا
سيدة غلف جسدها برداء أسود، ولا يظهر منها غير عينيها من فتحة مستطيلة صغير، لفتت
إليها الأنظار، وحاول عدد من المسافرين التودد إليها، لكن حياءها أبى كل حديث، وصد
كل ساع إليها".
فنجد في هذا النص زيادة الصيغ الفعلية الماضية زيادة كبيرة على صيغ الحضور
والمستقبل، فالصيغ الماضية في مثل قوله: دخل، غلف، لفتت، حاول، أبى، صد، بينما لا
نجد إلا صيغة واحدة تدل على الحضور وهي "يظهر". ويرجع ذلك كما ذكرنا إلى طبيعة
معايشة السارد للحدث من ناحية، وإلى طريقة السارد في النص القصصي من ناحية ثانية.
3/2:
مستويات اللغة السردية
إن العلاقة بين العملية السردية ومستويات اللغة علاقة حميمة من خلال اعتماد الكاتب
في السرد على الجانب اللغوي، واعتماد الجانب اللغوي على الموروثات الثقافية
والحياتية التي شكلت وعي الكاتب، وتنقسم هذه المستويات اللغوية السردية إلى قسمين:
الأول أنماط اللغة السردية، والثاني: التعبيرات اللغوية الخليجية.
3/2/أ:
أنماط اللغة السردية:
تتمثل أنماط اللغة السردية في قصص جمال فايز في لغة الحياة اليومية، واللغة
الشاعرية، والجمل القصيرة المكثفة و"التكرار الترابطي".
أما عن لغة الحياة اليومية، فإننا نعني بها اللغة الأدبية الراقية التي لا تستخدم
تعبيرات معجمية غريبة عن روح العصر، كما أنها لا تستخدم تعبيرات وألفاظاً سوية لا
ترقى إلى لغة الفن، لكنها لغة فنية متوسطة بين المعجمية والسوقية.. ونجد ذلك في كل
قصصه يقول في قصته "الركض في الوحل" على سبيل المثال: "كان الأخوة مفتولي الشوارب
والعضلات، حادي النظرات لهم أخت فاتنة تفوق كل وصف وخيال، هكذا قيل، وهكذا رأيت،
ووقتها حاولت كف النظر لكني فشلت، حاولت الاستغاثة فلم تخرج الكلمات".
وتتضح اللغة الشاعرية في بعض القصص غير أنها شاعرية خافتة لا تعتمد على تماثل
التفعيلات العروضية، بل تعتمد على تماثل الوحدات الصوتية مثل تماثل المقاطع الصوتي،
وتماثل الجرس الصوتي، وتماثل النبر، والتنغيم والمفصل، والجهر والهمس، والشدة
والرخاوة، والأصوات التكرارية، والصفيرية. يقول في قصة "توحد" على سبيل المثال
"وعلى احدى درجات السلم" من غير قصد ولا موعد، تلافت النظرات، تعانقت الأنفاس، تذكر
البدء يوم أن كان الانسان للإنسان ووشاح من ضوء أبيض يغلف جسدينا".
ويتضح الإيقاع في هذا النص من خلال تماثل المقاطع الصوتية على النحو التالي:
و ع لا !ح د
ا د
ص
ح ص ح ص ح ح ص ح ص ص ح ح ص ح
cv
cv cvv cvv cvv cv
ر جا تس سل لم
ص
ح ص ح ح ص ح ص ص ح ص ص ح ص
Cv
cvv cvc cvc cvc
من غي ر قص د ن
و
ص
ح ص ص ح ص ص ح ص ح ص ص ح ص ص ح
cvc
cvc cv cvc cvc cv
لا مو عد
ص
ح ح ص ح ص ص ح ص
Cvv
cvc cvc
ت لا ق تن
ن ظ
ص
ح ص ح ح ص ح ص ح ص ص ح ص ح
Cv
cvv cv cvc cv cv
رات ت عا ن
ق تل
ص
ح ح ص ص ح ص ح ح ص ح ص ح ص ح ص
Cvvc
cv cvv cv cv cvc
ان فاس
ص
ح ص ص ح ح ص
Cvc
cvvc
ت ذك ك رل
بد ء
ص
ح ص ح ص ص ح ص ح ص ص ح ص ص ح
Cv
cv cv cvc cvc cv
يو م أن كا
نل إن
ص
ح ص ص ح ص ح ص ص ح ح ص ح ص ص ح ص
Cvc
cv cvc cvv cvc cvc
سا ن لل إن سان
ص
ح ح ص ح ص ح ص ص ح ص ص ح ح ص
Cvv
cv cvc cvc cvvc
و و شا حن
من ضو
ص
ح ص ح ص ح ح ص ح ص ص ح ص ص ح ص
Cv
cv cvv cvc cvc cvc
إن أب يض ي غل
ل
ص
ح ص ص ح ص ص ح ص ص ح ص ح ص ص ح
Cvc
cvc cvc cv cvc cv
ف ج س ديـ نا
ص
ح ص ح ص ح ص ح ص ص ح ح
cv
cv cv cvc cvv
ومن خلال
هذا التقطيع الصوتي يتضح لنا مدى التماثل بين الأصوات القصيرة (ص ح) والمتوسطة
المغلقة (ص ح ص) والمتوسطة المفتوحة (ص ح ح) والطويلة (ص ح ح ص). غير أن الغلبة
كانت للتماثل الصوتي للمقاطع المتوسطة المغلقة (ص ح ص) وهذا التماثل المقطعي هو
الذي أحدث إيقاعاً صوتياً في بنية النص في كل السطور القصصية السابقة.
وتعتمد
اللغة السردية أيضاً في هذه القصص على الجمل القصيرة المكثفة. وهذه سمة نجدها في
معظم قصص المجموعة، بل نستطيع القول، إن أهم ما يميز قصص جمال فايز عن جيله هو
استخدامه الجمل القصصية القصيرة جداً. يقول على سبيل المثال في قصة "يوم الحصاد":
"عند المدخل، توقف فجأة ارتعد جسده. همست في أذنه زوجته، لم يرد حاولت سحبه لم
يتحرك أمسكت ساعده، تحجر في مكانه، تركته جزعة".
فيتضح في
هذا النص مدى اعتماد الكاتب على الجمل القصيرة المكثفة، حتى أن بعض الجمل لم تتجاوز
كلمة واحدة. يضاف إلى ذلك المعاني المركبة والإيجاز الدلالي الذي تحمله هذه الجمل
الشبيهة بالطرقات السريعة.
أما"التكرار الترابطي" فنعني به تكرار كلمة معينة في نهاية الجملة وبداية الجملة
التالية مباشرة. وهذا التكرار ما لم يؤد وظيفة دلالية جديدة في كل تكرار يصبح هذا
التكرار غير مبرر فنياً ويدل على خلل في التراكيب اللغوية للجملة لأن الكلام
المحذوف إذا دل عليه الملفوظ يصبح تكراره لا قيمة له. ومثل هذا التكرار نجده في بعض
قصص المجموعة، فيقول على سبيل المثال في قصة "فئران وحجارة" ينظر إلى الأطفال،
الأطفال ثيابهم رثة، "الريح يسمع صوتها وهي تدخل من ثقوب خيمته، ثقوب خيمته كل يوم
وربما أحياناً كل بضعة أيام تتكاثر مثل تكاثر الفئران. الفئران أصبحت في كل مكان".
"كانت عند والده. ووالده هوى على الأرض منذ شهر ونيف".
فنجد بعض
الكلمات المكررة مثل: الأطفال، ثقوب خيمته، الفئران، والده. تتكرر مرتين، الأولى في
نهاية الجملة والثانية في أول الجملة التالية لها لتكون رابطاً بين الجملتين
ولتتوافق مع الحالات الشعورية للسارد، غير أننا نرى هذا التكرار لم يضف دلالة جديدة
للنص القصصي، لأنه لم تم حذف هذه الكلمات من أول الجمل التالية لدل عليها اللفظ
الموجود في نهايات الجمل الأولى. ومن ثم يصبح التكرار غير مبرر فنياً.
غير أنها
تشكل نمطاً من أنماط اللغة السردية في قصص المجموعة وكان من الممكن أن توظف فنياً
ودلالياً في سياق النصوص القصصية وتحمل دلالة إيحائية جديدة في كل تكرار.
3/2/ب:
التعبيرات اللغوية الخليجية:
شكلت بعض
التعبيرات اللغوية لازمة أساسية في بعض نصوص المجموعة ومنها قصص حطام المسافات
البعيدة، فحيح العاصفة، المكافأة، إظلام، ومن هذه التعبيرات قوله "يا حسافة"، "ما
لنا غيره صغير وما يفهم" ، "صيد اللؤلؤ"، "الغوص"، "البحارة"، وأهم قصص المجموعة
اعتماداً على التعبيرات اللغوية الخليجية هي قصة "حطام المسافات البعيدة" ومن هذه
التعبيرات قوله: "النوخذة"، "الديين"، "السياب"، "الأيدة"، "التباب"،و"الطواش".
وقد كان
لهذه التعبيرات دلالات فنية وإيحائية في نسيج القصة، فقد دلت على انتماء الشخصية
لموروثها الشعبي والحياتي، وقد وضح الكاتب معاني هذه الكلمات في هامش القصة.
وتتداعى
هذه التعبيرات على وعي الرجل النحيل عندما يستحضر الماضي الأليف ويسخر من الواقع
الذي عصف بكل القيم والمعايير يقول: حتى يوم أوكل إليه مهمة "النوخذة" ظلت نفسه
تهفو إليه، فيمكث أوقاتاً طويلة ينتزعه من أحشاء اليم يكنزه في "الديين"، بينما
الذين في الخارج يدب الخوف في نفوسهم، ولا يرتاح بالهم إلا إذا ظهر إليهم، وفي
الغالب يخرج من أعماق البحر مع إطلاقة صيحات عالية تصل إلى عنان السماء فيسحب
"السياب"، "الأيدة" وهكذ تجد السارد حريصاً على استحضار الماضي بكل موروثاته
وتعبيراته ليكون تعبيراً عن انتماء الذات لذاتها من ناحية، وتعبيراً عن اهتراء
معايير الحاضر من نايحة ثانية.
(4)
السردية
السياقية
يعني
بالسردي السياق العلاقة بين السرد وتشكيل سياقات النص القصصي الممثل في الشخصية
والحدث والمواقف والرؤى. وتعني السردية السياقية بجانبين: الأول: السرد وتشكيل
الشخصية، والثاني: السرد وتشكيل الحدث.
4/2:
السرد
وتشكيل الشخصية:
للسرد
دور كبير في تشكيل الشخصية في النص القصصي، فمن خلاله يتم رسم ملامح الشخصية
وتشكيلها فنياً ودلالياً سواء على مستوى وظيفة الشخصية ودورها الدلالي، أو على
مستوى طبيعة السرد وعلاقته بالشخصية من حيث سكونية الوصف وحركيته، أو على مستوى
الرؤية السردية للشخصية.
4/1/أ:
الدور
الوظيفي للشخصية:
يتضح الدور
الوظيفي للشخصية من خلال تصوري جرياس Greimas)5)
الذي يربط بين الشخصية الفاعلة والشخصيات المضادة والمساعدة لها ومحور الصراع وغاية
الفعل ومحور الرغبة، وهذا التصور يتضح من خلال الشكل التالي:
م
عنوان القصة
المضادون
الفاعل
المساعدون
محور
الرغبة
غاية
الفعل
1
الكهل الصغير
الغيمة الكبيرة الشاب
الكهل
الرجل الخادمة المعرضة
عودة
القيم النبيلة
انقاذ الطفل
التمسك بالتراث
غاية
الفعل
موت
الطفل
موت
القيم الإنسانية
هدم
البيوت الطينية
2
حطام
المسافات البعيدة
الريح اللافحة
الابن العاق
جنية
البحر
الكهل النحيل
البحارة القدامى
الجد
القديم
الانتماء للقيم الاصيلة
ضياع
الأب
ترك
الابن لأبيه
3
فحيح
العاصفة
الأمطار العاصفة
الأطفال الصغار
الابن العاق
الرجل النحيل
الرجل الخارج من المسجد
عود
القيم
العصف بكل القيم
تجاهل الابن لأبيه
4
تابوت من لحم
الرجل البدين
صاحب
السيارة الفارهة
العجوز الضائعة
-
توفير الأمن والقوت اليومي للبسطاء
حصول
العجوز على بقايا أطعمة
جوع
البسطاء وضياعهم
عدم
حصول العجوز على بقايا أطعمة
5
الرقص على حافة الجرح
الجد
الخيول الحمرا
فوز
الخيول الخضراء
بتطبيق هذا الشكل على قصص المجموعة
يتضح لنا الدور الوظيفي للشخصية وذلك من خلال جدول رقم (2) حول الدور
الوظيفي
للشخصية:
م
عنوان القصة
المضادون
الفاعل
المساعدون
محور الرغبة
غاية الفعل
1
الخيول الزرقاء
الشباب الضائع
فوز الخيول الزرقاء والحمراء
هزيمة الخيول الخضراء
6
الشرنقة
ركاب الطائرة المرأة المنقبة والعارية في آن واحد
المرأة المنقبة
-
اتساق الواقع وعدم تناقص الشخصية
التناقض بين ما هو كائن وما يجب أن يكون
7
الركض في الوحل
الأخوة المعاصرون
الغريب
الأخت الحسناء
الأخوة القدامى
تخليص الأخت من الغريب وتضامن الأخوة
اغتصاب الغريب للأخت الحسناء
سقوط الأخوة
8
المكاف’
المدير
زملاء العمل
الموظف المثال
-
الإخلاص في العمل
النهوض بالواقع الاجتماعي
عدم النفاق
اهتراء معايير الواقع تحطيم كل الطاقات الخلاقة
إشاعة النفاق
9
يوم الحصاد
القوى القهرية
الاطفال
العدوانيون
الخيول الزرقاء
الشباب الضائع
الزوج
الزوجة
عدم
الرحيل
والتوحد في
الوطن
تحقيق الابن
لطموحاته
رحيل الأبن وعدم تحقيقه لطموحاته
10
إظلام
الأبناء الجاحدون
سالم - أحمد
الأم
ليلى
ليلى
التآلف الأسري والاجتماعي
انقاذ الأم
ضياع الأم وموتها
11
في عرض الشارع
السيارة المسرعة
الكلب العليل
-
التطلع للأمان
الجوع والضياع والموت
12
توحد
قوى التراكيب الاجتماعية
الشقراء البدينة والأسمر النحيف
-
الألفة الإنسانية والتوحد الإنسان
افتراق كل منهما بعبداً عن الآخر
13
فئران وحجارة
الريح العاصفة
الفئران الغازية
وباء سنة 194
الجالس أمام الخيمة (محمد بن عبدالله)
أطفال الحجارة
الوالد الراحل
السيدة الجالسة
أمام الخيمة
الصبية الصغيرة
التطلع إلى واقع جديد
تحرير الأرض والبيت
طرد الفئران والقوى المعتدية
ضياع المنزل والمزرعة
قتل الأب المدافع عن أرضه
قتل الأم وجنينها
ومن خلال الشكل
التخطيطي وجدول الدور الوظيفي للشخصية، يتضح لنا أن الدور الوظيفي للشخصية القصصية
في مجموعة "الرقص على حافة الجرح" يأتي على النحو التالي:
1-المضادون: تتمثل
في الشخصيات المضادة في المجموعة القصصية في الشخصيات اللا مألوفة التي تمارس
الأدوار السلطوية والقهري على الآخرين وقد يصرح الكاتب بهذه الشخصية وقد يرمز لها
بقوى معينة في قصة "الكهل الصغير" تتمثل في شخصية الشاب الذي يتمرد على الأعراف
الإنسانية ويرفض أن يدخل الرجل الكهل غرفة الطبيب للعلاج قبله. كما تتمثل أيضاً في
الغيمة الكبيرة التي حجبت كل العادات الاجتماعية المشرفة.
وتتمثل في
قصة "حطام المسافات البعيدة" في الريح اللافحة والقيظ الشديد الذي يعصف بكل قيم
الإنسان، وفي الابن العاق الذي لا يُعنى بوجود والده ويدخل البيت ويصفع الباب خلفه
دون أن يهتم بأبيه الذي لا يملك غير اجترار الذكريات القديمة.
وتتمثل
الشخصيات المضادة في قصة "فحيح العاصفة" في الابن العاق الذي يترك اباه ضائعاً
بجوار سور المسجد، وفي الأطفال الصغار الذين ينهرون الرجل النحيل ويرمز لها أيضاً
بالأمطار العاصفة التي تعصف بكل القيم الإنسانية النبيلة، وتتمثل في قصة "تابوت من
لحم" في "الرجل البدين" صاحب السيارة الفارهة، وتتمثل في الخيول الزرقاء في "الرقص
على حافة الجرح" وتتمثل في المرأة المتناقضة في سلوكياتها والتي ترمز إلى ازدواجية
الفكر العربي والشخصية العربية وتناقضاتها، وذلك في قصة "الشرنقة"، وتتمثل في
الغريب والأخوة الضائعين الذين أضاعوا الوطن الممثل في أختهم الحسناء. وتتمثل في
شخصية المدير والزملاء المنافقين في العمل في قصة "المكافأة" وفي شخصية القوة
القهرية التي تودي بالإبن إلى الرحيل القهري في قصة "يوم الحصاد" وفي شخصية الأبناء
الجاحدين لأمهم في قصة "إظلام" وفي صاحب السيارة المسرعة التي دهمت الكلب العليل
"عرض الشارع" أو في القوى الاجتماعية التي تفرق بين بني الإنسان في "توحد" وفي
الفئران الغازية التي احتلت الأرض والبيت من أبنائه الشرعيين.
2-الفاعل: تتمثل
شخصية الفاعل في الشخصية التي تريد أن تحدث فعلاً إيجابياً وهي عكس الشخصية
المضادة، وفي المجموعة القصصية نجدها في شخصيات الكهل في "الكهل الصغير"، وفي الكهل
النحيل في قصة "حطام المسافات البعيدة" وفي الرجل النحيل في "فحيح العاصفة"، وفي
العجوز الضائعة في "تابوت من لحم"، وفي الجد في قصة "الرقص على حافة الجرح"، وفي
المرأة المنقبة في "الشرنقة" وفي الأخت الحسناء في "الركض في الوحل"، وفي الموظف
المثالي في "المكافأة"، وفي شخصية الزوج في "يوم الحصاد"، وفي الأم في "إظلام"، وفي
الكلب العليل في "عرض الشارع" وفي الشقراء البدينة والأسمر النحيف في "توحد"، وفي
الرجل الجالس أمام الخيمة "محمد بن عبدالله" في قصة "فئران وحجارة".
وكل هذه
الشخصيات تمثل الجانب الإيجابي في القصة، غير أن هذه الشخصيات لا تقوى على الفعل
ومن ثم يقع عليها قهر وتسلط الشخصيات المضادة.
3-المساعدون:
وتتمثل في الشخصيات المساعدة للفاعل، أي تقول بأفعال إيجابية مساندة لشخصية الفاعل،
وهذه الشخصيات لا توجد إلا في ثماني قصص فقط، مما يدل على ضآلة الشخصيات المساعدة
في الواقع الحياتي الذي تجسده القصص، وتتمثل هذه الشخصيات في الرجل الذي حاول إدخال
الكهل للطبيب ولم يستطع، وفي الخادمة التي حاولت انقاذ حياة الطفل لكنها لم تستطع
وفي شخصية الممرضة وذلك في قصة "الكهل الصغير"، وفي البحارة القدامى والجد القديم
في قصة "حطام المسافات البعيدة"، وفي الرجل الخارج من المسجد الذي أنقذ الكهل
النحيل من شرور الأطفال وذلك في "فحيح العاصفة"، وفي الخيول الحمراء في "الرقص على
حافة الجرح"ن وفي الأخوة القدامى في "الركض في الوحل"، وفي الزوجة والأم في "يوم
الحصاد"، وفي شخصية ليلى في "إظلام"، وفي أطفال الحجارة والوالد الراحل والسيدة
الجالسة أمام الخيمة والصبية الصغيرة في "فئران وحجارة"، غير أن هذه الشخصيات شأنها
شأن شخصية الفاعل لم تستطع مقاومة الضياغ والاهتراء السائد في الواقع المعيشي.
4-محور الرغبة:
يتمثل هذا المحور في الرغبة التي تود الشخصيات الإيجابية فعلها، سواء عن طريق الحلم
أو الواقع، في قصة "الكهل الصغير" تتمثل الرغبة في التطلع لعودة القيم النبيلة
وانقاذ الطفل المريض رمز المستقبل وفي التمسك بالأعراف التراثية الأصيلة وعدم
اللهاث خلف التقليد الأوروبي الأعمى ولا سيما في فن العمارة، وتتمثل الرغبة في
الانتماء لهذه القيم في "حطام المسافات البعيدة"، و"فحيح العاصفة"، وتتمثل في توفير
الأمان والغذاء للبسطاء الذين لا يجدون لقمة الخبز في "تابوت من لحم"، وفي التطلع
لفوز الخيول العربية الخضراء على الخيول الزرقاء الغازية في "الرقص على حافة
الجرح"، وفي التطلع إلى اتساق الواقع وعدم تناقض الشخصية في "الشرنقة"، وفي محاولة
تخليص الأرض الحسناء العربية من براثن الغريب عن طريق تضامن الأخوة في "الركض في
الوحل"، والتطلع إلى النهوض بالواقع الاجتماعي ونبذ النفاق في "المكافأة"، وعدم
الرحيل والتوحد في الوطن وتحقيق الأماني الطموحة في "يوم الحصاد"، ومحاولة انقاذ
الأم في "إظلام"، والتطلع للأمان في "عرض الشارع"، والتآلف الإنساني والتوحد في
"توحد، والتطلع إلى واقع جديد وتحرير الأرض والبيت وطرد الفئران الغازية في "فئران
وحجارة".
غير أن هذه
الرغبات التي تطمح إليها الشخصية تظل طوال القصص حلماً لم يتحقق بعد.
5-محور الفعل:
ويتمثل في الفعل السلبي الذي تحقق عن طريق الشخصيات المضادة، ولم تستطع الشخصيات
المساعدة والفاعلة تغييره، ويتمثل ذلك في موت الطفل وتمرد الشاب على الكهل، وهدم
البيوت الطينية رمز الأصالة القديمة في قصة "الكهل الصغير"، ويتمثل في ضياع الأب
وتجاهل الابن بأبيه في قصتي "حطام المسافات البعيدة"، و"فحيح العاصفة". ويتمثل في
جوع البسطاء وضياعهم في "تابوت من لحم"، وفي فوز الخيول الزرقاء والعزف حولها
وانحسار الخيول الخضراء في "الرقص على حافة الجرح" وفي التناقض بين ما هو كائن وما
يجب أن يكون في "الشرنقة"، وفي استيلاء الغريب على الأخت الحسناء وسقوط الأخوة في
"الركض في الوحل"، وفي اهتراء معايير الواقع، وتحطيم كل الطاقات الخلاقة وشيوع
النفاق في "المكافأة" وفي رحيل الابن وعدم تحقيقه طموحاته في "يوم الحصاد"ن وفي
ضياع الأم وموتها في "إظلام"، وفي جوع البسطاء وموتهم في "عرض الشارع" كجثث الكلاب
في "في عرض الشارع"، وفي اختراق الإنسانية وتمييز الأبيض والأسود برغم أنها عنصر
آدمي واحد في "توحد"، وضياع المنزل والمزرعة وموت الأب وقتل الأم وجنينها في "فئران
وحجارة" ويعبر هذا المحور عن اهتراء معايير الواقع المعيشي.
ويتضح من خلال
الأدوار الوظيفية الشخصية، أن التشكيل السردي للشخصية جاء معبراً عن طبيعة الواقع
الحياتي، من حيث الصراع بين الشخصيات المتسلطة في الواقع والشخصيات المغلوبة على
أمرها، التي تطمح إلى واقع جديد، لكن ذلك لا نستطيع تحقيقه إلا عن طريق الرغبة
الحلمية. لأن الشخصيات المضادة وغاياتها الفعلية قد حطمت كل القيم النبيلة
والمعايير الإيجابية في الواقع المعيشي.
4/1/ب:
طبيعة
السرد وعلاقته بالشخصية:
اعتمد الكاتب
إلى حد كبير في سرده لشخصياته على الوصف الحركي – وهذه سمة مستحدثة في النص القصصي
المعاصر – وقد ساعده في ذلك اعتماده على الإيقاع اللغوي السريع، حيث استخدم الأفعال
الدالة على الحركة، وانعكس ذلك على السياق الوصف للشخصية فجاء الوصف حركياً. ونقف
عند بعض القصص على سبيل المثال، يقول في قصة "حطام المسافات البعيدة" واصفاً الرجل
النحيل الخارج من المسجد: "ومن الخارجين ينسل من بينهم هيكل آدمي في عقده السادس.
كفيف البصر، مقوس الظهر، يتوكأ في مشيه على عصا متآكلة. يضرب بها الأرض. فإذا سمع
صوتاً حاداً غير من مسار طريقه ثم يعاود السير في نفس الطريق الذي ظل يمشي فيه منذ
صباه".
فالكاتب لا يعني
بالسرد الوصفي للشخصية في لحظة السكون، لكنه حريص في كل قصص المجموعة على وصف
الشخصية في لحظة الحركة، فيعني الكاتب في هذه القصة بوصف الرجل النحيل الخارج من
المسجد وسط مجموع الناس لا يشعر به أحد برغم وهن قواه، ويستخدم الكاتب في الوصف
الحركي الأفعال الدالة على الحركة مثل: ينيل، يتوكأ، يضرب، غير من مسار طريقه،
يعاود السير، ظل يمشي. فلا تكاد تخلو جملة في السرد الوصفي من الأفعال الدالة على
الحركة.
ويصف الرجل
النحيل أيضاً في قصة "فحيح العاصفة" فيقول "برق ورعد وبرد، يجمد العظام النخرة،
فيتكور على ذاته، ويلامس صدره ركبتيه ويتغامز الأطفال في شأنه، يجرون من أمامه
وحوله، ويتجرأ بعضهم فيدوس على أطراف قدمه، فيتأوه من شدة الألم مع ابتسامة تشرق في
وجهه".
وهذا يعتمد
أيضاً على الصيغ الدالة على الحركة مثل برق، رعد، النخرة، وعلى الأفعال الحركية
مثل، يجمد، يتكور، يلامس، يتغامز، يجرون، يتجرأ، يدوس، يتأوه، تشرق. فبرغم قصر
النص إلا أن الأفعال الدالة على الحركة فيه عديدة. وهذه الحركية تعطي النص بعداً
حيوياً على مستوى المعنى والدلالة.
ونجد هذا السرد
الوصفي الحركي للشخصية في قصص عديدة أخرى منها، شخصية الفتاة في قصة "الكهل
الصغير"، وشخصية الرجل البدينن والعجوز في قصة "تابوت من لحم" وشخصية الجد في
"الرقص على حافة الجرح"، وشخصية السيدة المنقبة في قصة "الشرنقة" وشخصية الأخت
الحساء في "الركض في الوحل"، وشخصية المدير والموظف المثالي في "المكافأ’"، وشخصية
الزوج في قصة "يوم الحصاد"، وشخصية الأم وليلى في قصة "إظلام" والكلب العليل رمز
الشخصية المقهورة في قصة "عرض الشارع"، وشخصية الشقراء والأسمر في "توحد"، وشخصية
الرجل الجالس أمام الخيمة في قصة "فئران وحجارة".
ومن ثم يتضح أن
طبيعة السرد المقترن بالشخصية القصصية اعتمد على الوصف الحركي في كل قصص المجموعة.
4/1/جـ:
الرؤية
السردية ووجهة النظر التعبيرية للشخصية:
من خلال التتابع
الدلالي لآليات السرد بداية من الصيغة اللغوية وعلاقتها بالسارد، مروراً بالمستويات
اللغوية، ونهاية بالتتابع السياقي للشخصية تتضح لنا الرؤية السردية للشخصية، وذلك
من خلال وجهة النظر التعبيرية.
وتتمثل وجهة نظر
الشخصيات في هذه المجموعة في بعض المواقف الاجتماعية والفكرية، والحياتية، وتطغى
الرؤية الاجتماعية للشخصية على ما عداها من رؤى أخرى في قصص المجموعة.
فتتمثل الرؤية
الاجتماعية من خلال أمرين:
الأول: الحرص
على العادات والتقاليد الاجتماعية الأليفة، والتخلص من العادات البالية، نجد ذلك في
قصص الكهل الصغير، وحطام المسافات البعيدة، فحيح العاصفة، إظلام.
وهذه القصة
تتطلع الشخصية لعودة القيم الإنسانية الأصيلة المتبادلة بين أفراد الأسرة الواحدة،
والمجتمع الواحد، بل والمجتمع الإنساني، ففي قصة "الكهل الصغير" تعرى الشخصية
سلبيات الواقع المعيشي التي أحالت القيم الإنسانية إلى حطام، فعلى الرغم من أن
الرجل قد هده التعب والمرض حتى صار كهلاً قبل الآوان، إلا أن الشاب المعاصر الذي لم
يعاصر فترة ازدهار القيم لكنه عاصر احتضارها لا يسمح للكهل بالدخول قبله عند
الطبيب، بل إن قيم الأمومة والأبوة قد تضاءلت بفعل الواقع الذي تغير فيه كل شيء،
فالطفل قد أصيب في رأسه وأشرف على الموت غير أن ما يصحبه إلى الطبيب هي الخادمة،
وعندما يموت تتصل الخادمة بالبيت لتخيرهم بين أن تحضر جثة الطفل إلى البيت أو تتوجه
إلى المقبرة لدفنها، يقول: "خرجت متوجهة إلى هاتف المستوصف العمومي، قاطعت الطرف
الآخر.. "آلو.. أنا سونيتا، هذا ولد أنت فيه مات، أجيب بيت ولا يودي مقبرة" ويحرص
الكاتب على استخدام التعبيرات اللغوية الضعيفة للخادمة.
وفي قصة "حطام
المسافات البعيدة" يرفض الرجل النحيل متغيرات العصر وأعرافه التي جعلت الابن لا
يعني بوجود والده، ويلوح له في لا مبالاة يقول: "مرقت سيارة صفراء مخلفة وراءها
دخاناً كثيفاً وحصيات متطايرة، أيقظته من ماضيه فأدار وجهه للوراء، بينما قائدها
واصل السير حتى أوقفها أمام باب المنزل، ترجل منها يحييه بصوت عال "هاي بابا" ودخل
المنزل موصداً الباب خلفه".
وهكذا في قصتي
"فحيح العاصفة" ، "إظلام" تعري الشخصي سلبيات المعايير الاجتماعية السائدة في
الواقع المعيش.
الثاني: تعرية
التراكيب الاجتماعية المتناقضة، وذلك في قصص: تابوت من لحم، الشرنقة، المكافأة، في
عرض الشارع، توحد. ففي قصة "تابوت من لحم" تعري الشخصية سلبيات الواقع المعيش من
خلال التناقض بين الرجل صاحب السيارة الفارهة، والعجوز التي لا تجد ما يقيم أود
حياتها فتنقب في حاوية القمامة عن بقايا أطعمة ويتجسد التناقض في قصة "المكافأة"
بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، وكذلك الأمر في قصتي "في عرض الشارع" و"توحد".
كما تتضح الرؤية
الفكرية للشخصية في بعض القصص وأهمها قصة "فئران وحجارة" و"الرقص على حافة الجرح".
ففي قصة "فئران
وحجارة" تعري الشخصية قصور الوعي لدى جيل الآباء الذين ضاعت منهم الأرض والبيوت
والوطن وهم يتحلون بالصبر وظلوا صابرين حتى ضاع منهم كل شيء فقد استولت الفئران
الغاصبة على كل تراب الوطن، غير أن الجيل المعاصر من الأطفال رمز المستقبل يؤمنون
بالحجر، فهو الأداة القادرة على مطاردة الفئران، يقول مجسداً الحوار بين الفتاة
والرجل الجالس أمام الخيمة منذ أمد بعيد:
"- اتكأت ممسكة
بقبضة يديها كتفه "قلت لك والدتي".
-وصرخ أعلى منها
"والدي قال الصبر وعلينا بالصبر".
-نهضت على غرة،
وفي غضب ثائر، وأنا والدتي قالت الصبر.
-ولكن الفئران
ازدادت شحماً ولحماً، ذهبت عنه سمع صوتها ثانية بعد بضع خطوات، الصبر لا يطرد
الفئران، لا يطرد، لا يطرد".
ونجد رؤية
أخرى عكس هذه الرؤية في قصة "الرقص على حافة الجرح" فإذا كان جيل الآباء في "فئران
وحجارة" رؤيتهم الفكرية قاصرة تجاه الخطر المحدق بهم من جراء الفئران، وكان جيل
الأبناء "الأطفال" واعياً بهذا الخطر، فإن جيل الآباء والأجداد في قصة "الرقص على
حافة الجرح" كان واعياً بخطر الدخول في حلبة السباق والانصهار مع الخيول الزرقاء،
لذلك رفض الجد الذهاب إلى ميدان السباق لمشاهدة هذا الانصهار الذوباني بين خيولهم
الزرقاء، بينما نجد الأجيال التالية هي التي تتسم بقصور الوعي ومن ثم يصفقون
ويهتفون ويرقصون في ميدان السباق، حتى تتكشف لهم نتيجة السباق وحينئذ تخفت أصواتهم
يقول: "ثم سمع دوي صوت الرصاص الذي سرعان ما تلاشى ليحل مكانه أصوات المشجعين من
هتاف وتصفيق وزغاريد ورقص.
"عند الاقتراب
من خط النهاية، خبت الأصوات حتى تلاشت تماماً. ونمت بدلاً منها دهشة ووجوم على وجوه
الحاضرين عندما تخطت خط النهاية، خبت الأصوات حتى تلاشت تماماً. ونمت بدلاً منها
دهشة ووجوم على وجوه الحاضرين عندما تخطت خط النهاية الفرس ذات اللون الأزرق،
تتبعها مباشرة ذات اللون الأحمر، بينما لاحت في الأفق ذات اللون الاصفر".
وهكذا تكشف
الرؤية السردية عن وجهة نظر الشخصية، ومدى وعيها الاجتماعي والفكري.
4/2
السرد
وتشكيل الحدث:
مثلما يشكل
سرد الشخصية ملمحاً بارزاً في نسيج القصة القصيرة، فكذلك يشكل الحدث ملمحاً لا يقل
أهمية عن الشخصية لأن الحدث لا بد أن تقوم به شخصية، وفي هذه القصص لا نجد حدثاً
تقليدياً إلا في بعض القصص مثل "إظلام" و"يوم الحصاد"، بينما تعتمد معظم القصص
الأخرى على الحدث المفتت، وهو الحدث الذي يجزأ إلى جزئيات دقيقة ويُعني فيه الكاتب
بالقيمة الإيحائية والدلالية، ولا يعني بمشكلة تقليدي ويبحث لها الكاتب عن حل. بل
تتتابع الأحداث الجزئية تتابعاً تصاعدياً أو تنازلياً أو دائرياً لتشكل في النهاية
الحدث الكلي للقصة لأن "الشرط الذي يجعلنا ندرك القصة القصيرة بوصفها وحدة متكاملة
إنما هو البنية المتدرجة تدرج السلم، تصحبها بنية دائرية أو بنية لها طابع الحلقة
لو شئنا الدق ولذا يصعب أن تتولد قصة قصيرة من وصف حب متبادل ينتهي بالزواج وإذا
تحقق ذلك فإنه لا يهتم من غير معارضة للقصص التقليدية التي تصف حباً تحوطه
العقبات" (6).
ويتضح هذا
السرد الحدثي في قصص، الكهل الصغير، حطام المسافات البعيدة، فحيح العاصفة، تابوت من
لحم، الرقص على حافة الجرح، الشرنقة، الركض في الوحل، في عرض الشارع، توحد، فئران
وحجارة.
ونقف عند قصة
"الشرنقة" على سبيل المثال، ففي هذه القصة لا نجد حدثاً تقليدياً يتبلور في مشكلة
معينة وتنتهي بالحل، ولكننا نجد جزئيات دقيقة تتضافر مع بعضها البعض وتشكل في
النهاية دلالة إيحائية تطرحها القصة، فالحدث هو مجموع هذه الجزئيات أو اللوحات
الدقيقة المتضافرة، التي تشكل في النهاية هذه الدلالة الإيحائية فقصة الشرنقة يتمثل
الحدث فيها في ثلاث جزئيات، الأولى تصور مجموعة من المسافرين من داخل الطائرة
وجميعهم ثيابهم شبه عارية ما عدا سيدة واحدة هي المنقبة. في الجزئية الثانية ظلت
محاولات التقرب إليها والحديث مها لكنها رفضتن في الجزئية الثالثة، عندما أوشكت
الطائرة على الهبوط في مطار البلد الباردة، جميع الركاب ارتدوا ثيابهم الثقيلة ما
عدا هذه السيدة نزلت شبه عارية، فالحدث لا يتمركز في جزئية من هذه الجزئيات الثلاث
لكنه يتشكل من كل جزئيات القصة، والحدث الكلي هنا يتبلور في التناقض وازدواجية
الشخصية للسيدة المسافرة، فهي تعيش في مطار الإقلاع بشخصية معينة، وفي مطار الهبوط
بشخصية متناقضة. وهذا التناقض يجسد تناقض البنية الاجتماعية.
وهكذا نجد
الحدث في كل القصص –المشار إليها- يتمحور في الدلالة الإيحائية التي تطرحها القصة.
(5)
السردية
"الزمكانية"
يعني
بالسردية الزمكانية، طبيعة التعبير عن الزمن والمكان في القصة القصيرة، وتوظيفها
توظيفاً فنياً ودلالياً، ولما كان أحدهما لا يتم بمعزل عن الآخر لذلك رأينا
دراستهما في عنصر واحد. أطلقنا عليه "السردية الزمكانية، وتنقسم إلى قسمين:
الأول:
السردية الزمانية.
الثاني:
السردية المكانية.
5/1: السردية
الزمانية:
تتمثل
السردية الزمانية في مجموعة "الرقص على حافة الجرح" في طبيعة التشكيل الزمني، وسوف
نقتصر في طبيعة التشكيل الزمني في هذه المجموعة على التريب الزمني الداخلي للأحداث
المسرودة في القصة.
ومن حيث
الترتيب الزمني الداخلي لأحداث القصص فإنها تنقسم إلى قسمين: الأول: الزمن التصاعدي
أو التاريخي أو السببي، والثاني: الزمن المتداخل.
أما عن الزمن
التصاعدي ونعني به تطور الأحداث في القصة تطوراً تصاعدياً من الماضي للحاضر
للمستقبل، فإننا نجده في قصص "الكهل الصغير"، "تابوت من لحم"/ "الرقص على حافة
الجرح"، "الشرنقة"، "الركض في الوحل"، "المكافأة"، "في عرض الشارع".
ونقف عند قصة
"المكافأة" على سبيل المثال، في هذه القصة تبدأ بزمن عقد حفلة تكريمية للموظف
المثالي، وفي اليوم التالي توجه الموظف المثالي إلى مكتب المدير وشكره المدير غير
أن الموظفين الآخرين عندما ضحكوا لنكتة قالها المدير فلم يضحك الموظف المثالي مما
أغضب المدير، في اليوم الثالث حمل الموظف المثالي فكرة مشروع جديد وقدمها للمدير،
وفي الأيام التالية لم يستجب لفكرته، بعد ثلاثة أشهر منع من الالتقاء بالمدير،
وعندما اصر تم فصله من عمله.
فالزمن يتطور
تطوراً تصاعدياً من بداية القصة حيث عقد الحفل التكريمي وحتى نهايتها بفصل الموظف
المثالي من عمله. ويكشف الكاتب التناقض في الواقع الحياتي بين ما هو كائن وما يجب
أن يكون.
وهكذا في
القصص الأخرى المشار إليها نجد الزمن يتطور فيها تطوراً تصاعدياً.
أما الزمن
المتداخل فهو الزمن الذي لا يسير سيراً منتظماً في سياق القصة. لكنه لا يلتزم
الترتيب المنطقي للأحداث فمن الممكن أن يقدم المستقبل على الماضي أو الحاضر، أي أن
الأحداث تتداخل مع بعضها البعض على المستوى الزمني، ونجد ذلك في قصص: حطام المسافات
البعيدة، فحيح العاصفة، يوم الحصاد،توحد، فئران وحجارة.
ففي قصة
"حطام المسافات البعيدة" تبدأ القصة بالزمن الحاضر حيث الريح اللافحة والرجال
يخرجون من المسجد ومن بينهم رجل نحيل، ثم يتحول مسار الزمن إلى الماضي عندما يستحضر
الرجل النحيل ذكريات الماضي مع أبيه والبحارة، ثم يرتد الزمن الحاضر عندما أخذ
نفساً عميقاً، وعاد للماضي مرة أخرى ثم الحاضر وانتهت القصة بالزمن الحاضر عندما
مرقت سيارة بجواره ولم يعرف من بها إلا عندما لوح له ابنه غير مكترث بوجود أبيه
فالزمن لا يسير منتظماً لكنه يتداخل ما بين الماضي والحاضر.
وهكذا في
قصصه، فحيح العاصفة، توحد، فئران وحجارة. غير أن قصة "يوم الحصاد" برغم اعتمادها
على الزمن المتداخل، إلا أن تكنيك الزمن فيها كان به خلل في السياق السردي، فقد
بدأت القصة بالحاضر عندما أوقف الرجل وزوجته سيارته وتوجها صوب المجمع التجاري ثم
يرتد الزمن إلى الماضي فجأة وذلك عند مدخل المجمع التجاري حيث نجد الرجل ترتعد
فرائصه ويتقيأ دمعاً وعلى الفور تتداعى عليه – دون سابق إشارة زمنية تمهيدية- صورة
الأم في مراحله التعليمية عندما قرر الرحيل، ولم تفلح الأم في إقصائه عن رأيه.
وتنتهي القصة عند نفس لحظات التداعي عندما أعطته أمه صرة بها نقود. دون أن ترتد
الشخصية إلى الزمن الحاضر، ومن ثم أحدث ذلك خللاً في سياق السردية الزمنية، وجعل
السياق الزمني أقرب إلى الزمن المعكوس منه للزمن المتداخل، حيث بدأت بالحاضر وانتهت
بالماضي ويتضح خلل السياق من خلال انتقال الرجل من حالة الوعي إلى اللا وعي أو
التداعي دون وجود ضرورة فنية في سياق القصة، فالشخصية في كامل وعيها ولم يطرأ عليها
ما يجعلها فجأة – عند مدخل المجمع التجاري- ترتعش وتنزف دمعا، لا لشيء إلا لتذكر
الماضي فالحدث الماضي المستوحى لا يتناسب مع الحدث الذي ألم بالشخصية، الأمر الذي
يجعل هذا الحدث أقرب إلى الافتعال منه إلى الصدق الفني.
على أن
السياق السردي للزمن المتداخل في القصص الأخرى التي أشرنا إليها جاء متوافقاً
فنياً، ويحمل وظيفة دلالية.
5/2: السردية
المكانية:
تجسد السردية
المكانية ملمحاً جوهرياً في سياق قصص المجموعة، وذلك من خلال توظيف الكاتب للمكان
القصصي، حيث لا يقف المكان عند مجرد لازمة بنائية في القصة، بل يتجاوز ذلك ليحمل
دلالة إيحائية وكيفية. وينقسم المكان في قصص المجموعة إلى قسمين: الأول: المكان
الأليف، والثاني: المكان المضاد.
أما عن
المكان الأليف، فإننا نعني به ذلك المعنى الذي أراده جاستون باشلار من حيث "أنه
المكان الذي يذكرا بلحظات الطفولة، وأنه المكان الذي نحب(7) ونجد هذا المكان في بعض
قصص جمال فايز، منها: الكهل الصغير، حطام المسافات البعيدة، فحيح العاصفة، فئران
وحجارة.
ففي قصة
"الكهل الصغير" يتضح المكان الأليف في البيوت الطينية التي شهدت أيام الطفولة
والبراءة والصبا وحل محلها البيوت الأسمنتية، يقول: "وع مضي الأيام، هدمت البيوت
المبنية من الحصة والطين، وظهرت بدلاً منها القصور المقامة من الأسمنت والحديد".
وفي حطام المسافات البعيدة يتمثل المكان الأليف في البحر والبيوت القديمة والسفن
التي عبرت عن مرحلة النقاء والطهارة والبكارة قبل أن تغير معالمها المعايير المادية
الجارفة في الواقع الحاضر.
وفي قصة
"فحيح العاصفة" يتمثل المكان الأليف في استحضار الرجل النحيل لمراحل الطفولة
وذكرياته مع أبيه وأمه، يقول: "يسترق النظر إلى السماء والسمع لأزيز العاصفة، فتحيي
في مخيلته ذكريات صباه، واللعب تحت وقع المطر مع رفاقه الصغار".
وفي قصة
"فئران وحجارة" يتمثل المكان الأليف في الأرض والبيوت والحقول التي استولت عليها
الفئران ولا يملك الرجل أمام خيمته غير استحضار أماكن طفولته التي سرقها منها
الغزاة. وتعتمد هذه القصة من أولها إلى آخرها على استحضار جماليات المكان الأليف
الضائع.
أما المكان
المضاد فهو نقيض المكان الأليف، ويعني به المكان الذي يمثل الخوف والموت والضياع
والقهر والدمار؟ وقد اتضح ذلك في بعض قصص المجموعة ومنها: الرقص على حافة الجرح،
والركض في الوحل، ويوم الحصاد ففي "الرقص على حافة الجرح" يتجسد في مكان السباق
الذي أصبح مكاناً طارداً لشخصية الجد، فالجد لا يألف هذا المكان، وفي قصة الركض في
الوحل يتمثل في المكان الذي سقطت فيه الأخت الحسناء –رمز الأرض الضائعة- فريسة في
فكي الغريب بينما الأخوة متفرقون، وفي قصة "يوم الحصاد"يتمثل المكان المضاد في
المكان الذي يرحل إليه الابن تاركاً أمه.
ولعلنا لا
نجافي الحقيقة حين القول، إن مجموعة "الرقص على حافة الجرح" تعد خطوة فنية متقدمة
في قصص جمال فايز، كما أنها تعد إضافة فنية لرصيد القصة القصيرة المعاصرة في قطر
ولا سيما على مستوى التكثيف الفني الذي اعتمدت عليه معظم قصص المجموعة. كما أن
الكاتب جمال فايز ومن خلال متابعتي لأعماله القصصية يحاول جاهداً تطوير أدواته
الفنية كي تواكب أهم الملامح الفنية المستحدثة في القصة القصيرة المعاصرة في وطننا
العربي، وأظن أن الكاتب جمال فايز لو أخلص لكتابته القصصية – وأحسبه كذلك- فسوف
يبدع أعمالاً قصصية وروائية متميزة في الفترات اللاحقة.
م
عنوان القصة
تاريخ كتابتها
تاريخ نشرها
تاريخ مناقشتها في ندوات القصة أو الصالون الأدبي
تاريخ التعليقات الصحفية القطرية
1
قئران وحجارة
1988
الشرق القطرية في 8/12/1994
مجلة الجيل يونيو 1996مع 17،ع6، ص104
فعاليات ورش القصة القصيرة بمركز شباب الدوحة
-
2
توحد
أكتوبر 1995
-
ورشة القصة في 12/10/1995
الشرق 17/10/1995. ع2772.ص7، الراية في 23/10/1995
3
يوم الحصاد
أكتوبر 1995
الشرق القطرية (28/2/96) ع 3935، ص17.
ورشة القصة في 2/11/1995
الشرق -الوطن –الشرق (21/11/1995)
5
المكافأة
نوفمبر 1995
الشرق القطرية في 15/3/1996.ع 2922، ص17
-
-
6
إظلام
-
الشرق القطرية (5/10/96).ع
الشقراء البدينة والأسمر النحيف
-
7
الشرنقة
مايو 1996
الشرق، الراية، الوطن،العرب في 6/5/1996
الصالون الأدبي 8/5/1996
العرب، الراية، الوطن، الشرق في 11/5/1996
8
الركض في
الوحل
مايو 1996
الوطن ، العرب، الشرق في 2/5/96، كتاب ابداعات قطرية صادر عن نادي
الجسرة 1996 ص273
الصالون الأدبي 22/5/1996
العرب، الراية، الوطن، الشرق في 11/5/1996
9
الرقص على
حافة الجرح
يوليو 1996
-
-
-
10
تابوت من لحم
أغسطس
1996
-
الصالون الادبي في 12/11/1996
الراية (16/11/1996) ع 5306 ص16
الشرق (16/11/1996) ع 2075 ص17
11
فحيح
العاصفة
نوفمبر
1996
-
الصالون الأدبي في 14/12/1996
الراية (7/12/1996) ع 5227 ص16
12
حطام المسافات
البعيدة
ديسمبر
1996
-
-
-
13
الكهل الصغير
يناير
1997
-
-
-
----------------
هوامش الدراسة:
1-للمزيد:
انظر: د. محمد عبدالرحيم كافود، الأدب القطري الحديث، ط(2) الدوحة، قطر سنة 1982ن
القصة القصيرة في قطر – النشأة والتطور، الدوحة سنة 1996.
وانظر: د. عمر محمد الطالب: القصة القصيرة في الخليج العربي، المنظمات العربية
للتربية والثقافة والعلوم، بغداد سنة 1983.
2-انظر
للباحث: ببليوجرافيا القصة القصيرة المعاصرة في مصر (1967-1984)، الهيئة المصرية
العامة للكتاب، القاهرة سنة 1994.
3-S.R Kenan: Narrative
Fiction. Contemporargpoeticsedi. Methuem London and Newyork. 1984 P.82
4-للمزيد
انظر للباحث: آليات السرد في الرواية النوبية، دار حراء – القاهرة سنة 1984، ص19.