تم ادخال عداد سجل الزوار من جديد
بعد توقف القديم فـي تـاريـخ
7-3-2008
05/01/2010
نحو توصيف المشهد السردي في قطر
القصة
القصيرة وتحديات التجريب
بقلم.د: محمد مصطفي
سليم
عندما نتناول التجريب المعاصر في القصة القصيرة القطرية فإننا نجد
أنفسنا إزاء مدخل عام، يحاول تأكيد المكونات المصاحبة لهذه القضية، قضية
التجريب،
ولاسيما ما يتصل بمكونين كبيرين لها، وهما: النسيج الثقافي للمجتمع بوصفه
المكون
الرئيس للوعي الإبداعي، ثم قيمة الإبداع في الحياة وجدوي مظاهره في
المجتمع، لأن
هذين المكونين يتسمان بقدرٍ كبيرٍ من الجدل التفاعلي، الذي يُظهره الفن،
ومن ثَمَّ
يمكن أن يُعَوّل عليهما في تحديد مظاهر التجريب الفني وتتبع مراحله في مجال
إبداعي
ما، إذا ما أُخذت في الحسبان طبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبي والثقافة
السائدة في
هذا الواقع؛ فالنسيج الثقافي بنية متولدة من المجتمع، وإبداع الفن متولد من
الثقافة، ويظل المجتمع باسطًا سطوته بوصفه البنية الأم، التي تؤثر كثيرًا
في جدوي
الإبداع وقيمة الفن. وبمعني آخر، فإن مراعاة طبيعة العلاقة المحمومة بين
الإبداع
الأدبي والواقع في حده الثقافي يُعد جوهر الانطلاقة عند تحليل أية ظاهرة
أدبية فنية
في جدلها الأبدي مع مظاهر المجتمع وقضايا الحياة.
لذا، من الطبيعي أن تكون جدوي مكاشفة الأعمال كامنة في تسليط الضوء علي
الإبداع الذي يتجاوز لحظته الراهنة، وصولاً إلي استشراف أفق مستقبلي يحفز
النسيج
الثقافي الذي استوعبه أولاً، ثم تمرد عليه ثانيًا، كما تبتعد هذه المكاشفة
الهادفة
عن ذلك الإبداع الساكن الذي لا يحمل في طياته بذرة كسر الثابت الجامد في
الفن، لأن
الإبداع الحقيقي أصبح يتوجه إلي المتلقي الذي لم يعد في حاجة إلي المثول
طويلاً
أمام الرصيد المقدس من الإبداع الساكن، وإنما بات حاضرًا بقوة في وعي
المبدع من أجل
اجتراح أفق إبداعي مفتوح علي التجاوز والتطور في الفن وأدواته.
وما دامت القصة القصيرة في قطر مطالبة بالتجاوب السريع مع الواقع
المحيط
بأبعاده الثقافية السائدة فإنه ينبغي لنا الإقرار بأن المبدع القطري بات في
مأزق
حقيقي، مفاده ما وصل إليه واقعه الاجتماعي، من انفتاح حر علي الثقافات
الأخري
والتمسك بأهداب المدنية الحديثة في أسباب الحياة، فغدت قطر، فيما تقيمه من
مؤتمرات
متخصصة، وفي استقطابها رموز الفكر والثقافة العربية والعالمية، وكذلك في
جعل أرضها
مناخًا صالحًا لمناقشة القضايا الملحة والمصيرية، كل هذا جعل من أرضها
مهادًا
خصبًا، تلتقي فيه الثقافات المتعددة والمتنوعة، وعلي المبدع أن يمتاح من
هذا الثراء
الثقافي، الكلاسيكي والحداثي، ليرفد به نتاجه علي مستوي الرؤية ومستوي
الأداة
أيضًا.
فضلاً عن أن السرد القطري، وهو كما أكّدت، شأنه شأن السرد العربي،
يكاد
ينخرط في الهموم العامة والهموم الشخصية، ولهذا تبقي أمامه تحديات كثيرة،
أهمها ذلك
التحدي المتمثل في الواقع القطري نفسه، فلقد حقق الواقع القطري قفزات زمنية
باستثمار الواقع التكنولوجي، مما أوقع المبدع القطري، أو السارد القطري، في
حرج
شديد، إذ أصبح مطالبا بتحقيق هذه القفزة، وعليه أن يستثمر هذا الأفق
التكنولوجي،
التواصلي، البصري، ويعمل علي إنتاج نص سردي يخاطب القاريء المعاصر الذي
تشكلت
ثقافته من وحي البصر والسمع والهايبرميديا، وهنا كان السؤال المحرّض: هل
سيصبح
السارد القطري علي قدر التحدي أمام واقعه الذي يتطور بلا هوادة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا بالضرورة إلي رصد مظاهر سردية
ستؤتي
ثمارها التجريبية إذا عمد المبدع إلي اتخاذها نقطة انطلاق تجريبي في بنية
السرد،
وهي مظاهر أولية كثيرة لدي كثيرٍ من الكتاب القطريين، تظهر وتختفي في نصوص
متفرقة
داخل المجموعة القصصية الواحدة، وتتكثف لدي كاتب وتقل لدي كاتب آخر، ونسوق
منها،
علي سبيل المثال لا الحصر، أهم هذه المظاهر السردية التي تواكب مستجدات
العصر
الحديث، وتتجلّي بعمق واعٍ في نصوص جمال فايز، ومن يألفون النسج علي هذا
النحو، وهو
ما يُسمي (الباراتكست)، فلقد عرف السرد القطري النص الموازي، حيث الهوامش
الشَّارحة
المتعددة، والعنونة الجانبية، وترقيم الفقرات، والتلاعب المقصود في
طبوغرافية
الصفحة عن طريق أنماط الكتابة وأحجام الخط ... وغيرها؛ مستفيداً من تقنيات
البحث
العلميّ، وتوظيفها في بناء نصّين سرديّين في قصة واحدة، يحلُّ أحدهما محلَّ
المتن،
والثاني محلّ الهوامش، وإن ظل جمال فايز في (الرحيل والميلاد) و(دويبات
الباب
الخشبي) و(ما تبقي من شظايا المحار) وغيرها، ظل وفيًّا لرحيق الماضي في
عذوبة لغته
من ناحية، وصرخة احتجاجه الحاد والرقيق معًا من ناحية ثانية، لأنه يُثَقِّب
مدخله
الخاص في زاوية الرؤية لواقعه، ويستشعر انطماس منظومة القيم القطرية
الأصيلة مبكرً،
وتستغرقه هذه الحال، ثم يلجأ إلي الكتابة بروح المناضل المنهك من الهم
الباذخ،
فيكتب قصصًا تشكل فضاءً ساحرًا من المكر والسخرية والشاعرية والدهشة
المستبدة بعيون
المبدع.
ثمة مظهر سردي آخر يعرف بالهايبرتكست، بدا جليًّا فيما قدمت به
صيتة
العذبة نفسها للقاريء من خلال (النوافذ السبع) التي كتبت فيما بين 1997
و2002 حسبما
دلت علي ذلك النصوص ذاتها، وفي هذه البداية التجريبية الأولي نعاين نصوصًا
متجاوزة،
تُعرف بالنصوص التشعبية التي تكاد تشبه ما هو موجود في تراثنا القديم من
(كتب
الحواشي)، وإن حافظت علي ليونة جملتها القصصية وكثافتها في آن واحد، وطوعت
الرمز في
التنقل الدلالي بين ما هو واقعي وما هو متخيل، لكنها- في الوجه المقابل-
طعمت معمار
التجريب لديها بانتهاكات ساخرة من ممارساتها الشعرية (الخائبة) علي حد
تعبيرها،
وذلك جنبًا إلي جنب مع شعرية امريء القيس، ثم استخدمت إمكانات الخط العريض
في إحداث
أكثر من مستوي دلالي في النصوص، رآه بعض النقاد مما يصدم القاريء، ويضعف
انسيابية
القراءة، وهي مع هذه المحاولات التي تأبّت فيها علي الحكي المباشر، وآثرت
التجريب
الكتابي، قد حطمت المعمار المتعارف عليه في بناء الحكاية القصصية
التقليدية.